العموم نيوز: لسنوات، روّج المسؤولون الإيرانيون لمفهوم «محور المقاومة»، باعتباره شبكة من الحلفاء تمتد من بيروت إلى صنعاء، وتتحرك في مواجهة خصوم مشتركين.
لكن بعد نحو ثلاث سنوات من الحرب التي اندلعت عقب هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، تبدو هذه الشبكة أقل تماسكاً، بعدما اتخذ كل طرف فيها خيارات مختلفة عندما تعرضت إيران نفسها لهجمات مباشرة خلال الأشهر الخمسة عشر الماضية ، بحسب مجلة «الإيكونومست» .
وترى «الإيكونومست» أن «محور المقاومة» ربما لم يمت، لكن الاسم بات أكبر من النشاط الذي يمثله، فالمشروع الذي بنته طهران على مدى عقود يواجه اليوم واقعاً جديداً؛ إذ تعرضت بعض أبرز مكوناته لضربات قاسية، بينما أصبح بعضها الآخر أكثر استقلالاً في قراراته.
وتعود استراتيجية إيران في دعم الجماعات المسلحة إلى ثمانينيات القرن الماضي، عندما أرسلت الحرس الثوري لتدريب مقاتلي حزب الله في لبنان، وكانت طهران تنظر إلى هذه الجماعات باعتبارها بديلاً عن جيشها التقليدي محدود القدرات، وخط دفاع متقدماً يسمح لها بتوسيع نفوذها وإبقاء المواجهات بعيدة عن أراضيها.
لكن الحرب الأخيرة أظهرت حدود هذه الاستراتيجية، فقد أدت أحداث السابع من أكتوبر إلى سلسلة من الحروب انتهت بوصول المواجهة إلى الأراضي الإيرانية نفسها، فيما تعرض حزب الله وحماس لضربات كبيرة، وسقط نظام بشار الأسد في سوريا، بينما طالبت الحكومة العراقية الفصائل المسلحة بنزع سلاحها بحلول أكتوبر/تشرين الأول.
ومع ذلك، لا تتوقع «الإيكونومست» انهيار المحور بالكامل، فالميليشيات تعرضت لأضرار كبيرة، لكنها لا تزال موجودة، كما أن المنطق الاستراتيجي الذي دفع إيران إلى دعمها لم يتراجع، بل قد يكون أصبح أكثر أهمية بالنسبة إلى طهران.
غير أن المشكلة تكمن في قدرة إيران على إعادة بناء المحور باعتباره كتلة واحدة. فطهران تواجه ضغوطاً متزايدة، بينما أصبحت بعض الجماعات أكثر استقلالاً، وتدير حساباتها وفق مصالحها المحلية بدرجة أكبر.
حزب الله.. من شريك قوي إلى حليف تحت الوصاية
يمثل حزب الله أبرز نموذج على التحول داخل المحور. فحتى عام 2023، امتلك الحزب ترسانة ضخمة تجاوزت 100 ألف صاروخ وقذيفة موجهة إلى إسرائيل، إلى جانب قوة قتالية اكتسبت خبرة واسعة خلال مشاركتها في الحرب السورية.
وكان حسن نصر الله، الذي اغتالته إسرائيل عام 2024، ينظر إلى نفسه باعتباره أكثر من مجرد وكيل لطهران. ورغم ارتباطه الوثيق بالأيديولوجيا الإيرانية، حافظ الحزب في عهده على قدر من الاستقلالية في اتخاذ القرار.
لكن هذا الوضع تغير بصورة كبيرة.
فخليفته نعيم قاسم يفتقر إلى حضور نصر الله وشعبيته، فيما أدت الضربات الإسرائيلية إلى مقتل عدد كبير من قيادات الحزب وخبرائه. وفي الداخل اللبناني، تواجه الجماعة ضغوطاً متزايدة لتسليم ما تبقى من سلاحها.
ومع تراجع قدرات الحزب وخسارته عدداً كبيراً من قادته، عزز الحرس الثوري حضوره المباشر في لبنان، الأمر الذي قلص هامش استقلال الحزب ودفعه إلى خوض مواجهة جديدة مع إسرائيل في مارس/آذار.
وتبدو طهران، وفق المجلة، أكثر تمسكاً بحزب الله رغم تراجع قدراته، ليس فقط لما يستطيع الحزب القيام به عسكرياً، وإنما أيضاً لما يعنيه فقدانه بالنسبة إلى صورة إيران ونفوذها الإقليمي.
الحوثيون.. الحليف الذي لا يتلقى الأوامر
وعلى النقيض من حزب الله، يبرز الحوثيون في اليمن باعتبارهم أكثر حلفاء إيران استقلالاً.
فالحركة بدأت تمرداً محلياً في شمال اليمن خلال تسعينيات القرن الماضي، قبل أن تبدأ إيران لاحقاً بتقديم دعم مالي وعسكري كبير لها، ساهم في تطوير قدراتها بصورة ملحوظة.
وبات الحوثيون اليوم قوة إقليمية قادرة على استخدام الصواريخ المضادة للسفن لتهديد الملاحة في البحر الأحمر، كما طوروا قدرات دفاع جوي مكّنتهم من إسقاط طائرات مسيّرة أميركية.
لكن تنامي قدراتهم العسكرية لم يؤد إلى زيادة تبعيتهم لطهران، بل إلى تعزيز استقلالهم.
فمشاركة الحوثيين في الحروب التي أعقبت السابع من أكتوبر تباينت وفق حساباتهم الخاصة، وليس بالضرورة استجابة لرغبات إيران. كما تتزايد قدرتهم على تصنيع أسلحتهم محلياً، بالتزامن مع سعيهم إلى بناء علاقات وتحالفات مستقلة.
وشملت هذه التحركات اتصالات مع روسيا والصين، فضلاً عن علاقات مع جماعات أخرى في المنطقة، ما يعكس تحول الحوثيين من مجرد طرف ضمن شبكة تقودها إيران إلى لاعب يسعى إلى بناء نفوذه الخاص.
وستبقى هناك مصالح مشتركة بين طهران والحوثيين، خصوصاً في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية، لكن وجود المصالح المشتركة لا يعني بالضرورة أن أحد الطرفين يتلقى أوامره من الآخر.
وبين حزب الله والحوثيين، توجد مجموعة أخرى من الجماعات التي يمكن وصفها بـ«الشاردة»، والتي تواجه بدورها خيارات جديدة في ظل تراجع قوة المحور التقليدي.
وبذلك، لا يبدو أن «محور المقاومة» يتجه إلى الاختفاء الكامل، بقدر ما يتجه إلى التحول. فبدلاً من شبكة متماسكة تتحرك وفق مركز قرار واحد في طهران، قد يصبح مستقبله أقرب إلى مجموعة من القوى التي تتشارك بعض المصالح مع إيران، لكنها تتحرك بدرجات متفاوتة من الاستقلال.
والنتيجة، بحسب «الإيكونومست»، قد تكون بقاء مكونات المحور، لكن مع تباعد مساراتها؛ بعضها سيصبح أكثر اعتماداً على إيران، وبعضها قد يستقل عنها، فيما تبحث جماعات أخرى عن داعمين وشركاء جدد.