(الأردن في نيويورك.. حين وُضع الاحتلال أمام مرآة العالم..)
في نيويورك، حيث تجتمع دول العالم تحت سقف الأمم المتحدة، لم يكن الأردن حاضراً بخطاب بروتوكولي عابر، ولا بكلمات دبلوماسية قابلة للتأويل. كان هناك صوت أردني واضح، يحمل فلسطين إلى قلب المشهد الدولي، ويضع الاحتلال الإسرائيلي وسياساته أمام مرآة العالم.
كان الملك عبدالله الثاني يتحدث من منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، لكن كلماته كانت تتجاوز حدود القاعة إلى غزة والضفة الغربية والقدس، وإلى كل بيت فلسطيني يعيش منذ عقود تحت وطأة الاحتلال والتهجير والاستيطان والحصار.
اللافت في الخطاب الملكي أنه لم يتعامل مع ما يجري في غزة باعتباره حدثاً منفصلاً عن الضفة الغربية، بل شدد على أن ما يجري فيهما جزء من واقع واحد، تحاول إسرائيل فرضه على الأرض، بما يجعل قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة أكثر صعوبة.
وهنا تكمن أهمية الرسالة.
فالاحتلال ليس مجرد وجود عسكري مؤقت، بل واقع سياسي وقانوني ممتد، تتراكم فوقه إجراءات الاستيطان والضم والتهجير، حتى يتحول «المؤقت» إلى دائم، ويصبح الاستثناء قاعدة.
ولعل السؤال الأكثر قوة الذي حمله خطاب الملك عبدالله الثاني إلى المجتمع الدولي هو ذلك المتعلق بالقانون الدولي: إذا كان بالإمكان تجاهل القانون الدولي لعقود، فماذا يبقى من قيمته؟
إنه سؤال يتجاوز فلسطين نفسها.
فالقانون الدولي إما أن يكون قاعدة تحكم الجميع، أو يتحول إلى نصوص جميلة في الكتب والوثائق، لا تستطيع حماية شعب من الاحتلال، ولا وقف التهجير، ولا منع تغيير الحقائق على الأرض.
وفي غزة، تحدث الملك بوضوح عن واقع بالغ القسوة؛ عن استمرار الهجمات وتدمير البنية التحتية المدنية، وعن محاولة فرض واقع جديد على الأرض، كما تحدث عن سياسات التهجير والاستيطان في الضفة الغربية.
لم تكن هذه الكلمات مجرد توصيف سياسي.
كانت محاولة لوضع الحقيقة أمام العالم كما هي، بعيداً عن اللغة التي اعتاد المجتمع الدولي استخدامها عندما يريد تأجيل مواجهة المشكلة.
لقد حذر الأردن مراراً من أن إدارة الصراع ليست حلاً للصراع، وأن إبقاء القضية الفلسطينية معلقة لعقود لا يؤدي إلى السلام، وإنما يراكم الأزمات ويزيد احتمالات الانفجار.
وفي هذا الخطاب عاد الملك عبدالله الثاني ليضع إصبعه على جوهر المشكلة: المجتمع الدولي اختار طويلاً احتواء الصراع بدلاً من معالجة أسبابه وجذوره.
وهنا لا بد من الاعتراف بأن استمرار الاحتلال والاستيطان والتهجير لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل يهدد فكرة السلام نفسها.
فكيف يمكن الحديث عن دولة فلسطينية قابلة للحياة، بينما تتغير الجغرافيا على الأرض؟
وكيف يمكن الحديث عن حل الدولتين، بينما تستمر الإجراءات التي تجعل هذا الحل أكثر صعوبة؟
وكيف يمكن مطالبة شعوب المنطقة بالإيمان بالشرعية الدولية، إذا بقيت قراراتها عاجزة عن إنتاج واقع مختلف؟
هذه هي الأسئلة التي حملها الأردن إلى نيويورك.
والملك لم يضع القضية الفلسطينية وحدها أمام المجتمع الدولي، بل ربطها أيضاً بالأمن الإقليمي. فقد أكد أن استمرار السياسات التوسعية الإسرائيلية يمثل خطراً على استقرار المنطقة، كما شدد على أن أمن الأردن وحدوده ومصالح شعبه ليست مسائل قابلة للمساومة.
وهذا جزء أساسي من الخطاب الأردني في هذه المرحلة.
الأردن يريد السلام، ويتمسك بالدبلوماسية، لكنه في الوقت نفسه يقول إن الدبلوماسية لا تعني الصمت أمام الخطر، ولا تعني قبول الوقائع المفروضة بالقوة.
وفي لقاءاته في نيويورك، أكد الملك عبدالله الثاني أن المنطقة لن تستقر من دون منح الفلسطينيين حقوقهم المشروعة وإقامة دولتهم المستقلة على أساس حل الدولتين، محذراً من خطورة ضم الأراضي وتوسيع الاستيطان في الضفة الغربية والاعتداءات على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.
هكذا كانت صورة الأردن في نيويورك:
دولة عربية تتحدث من موقعها السياسي، ولكن أيضاً من موقعها الجغرافي والتاريخي والأمني.
وملك يضع أمام العالم قضية ليست جديدة، لكنه يرفض أن تتحول قِدم القضية إلى مبرر لنسيانها.
لقد أصبح الاحتلال، بفعل طول الزمن، في خطر أن يتحول من قضية سياسية وقانونية إلى «اعتياد دولي».
وهذا ربما هو الخطر الأكبر.
أن يرى العالم الاستيطان كل يوم فلا يعود يراه.
أن يسمع عن التهجير فلا يعود يتوقف عند الكلمة.
أن يشاهد الدمار فلا يعود يسأل من المسؤول.
أن يصبح الاحتلال خبراً يومياً، بينما يصبح الإنسان الفلسطيني رقماً في نشرات الأخبار.
من هنا، جاءت كلمة الملك عبدالله الثاني لتعيد وضع القضية في مكانها الصحيح: ليست أزمة عابرة، وليست مشكلة أمنية فقط، وليست نزاعاً يمكن إدارته إلى ما لا نهاية، وإنما قضية شعب له حقوق، وأرض محتلة، وقانون دولي يفترض أن يكون له معنى.
ولذلك فإن قيمة خطاب نيويورك لا تكمن فقط في ما قيل، وإنما في السؤال الذي تركه خلفه:
ماذا سيفعل العالم بعد أن سمع الحقيقة؟
فالكلمات وحدها لا تنهي احتلالاً، ولا تعيد بناء غزة، ولا توقف الاستيطان، ولا تقيم دولة فلسطينية.
لكن الكلمات الصادقة تستطيع أن تضع الحقيقة في مكانها، وأن تمنع تزوير الصورة.
وفي نيويورك، فعل الأردن ذلك.
وضع الاحتلال أمام مرآة العالم.9