لندن: محمد الطّورة
* جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، سيادة القانون والعدالة واحترام كرامة المواطن من المرتكزات الأساسية لرؤيته للدولة الأردنية الحديثة
* لماذا يضطر من أمضى أكثر من ثلاثة عقود في خدمة الوطن إلى اللجوء للقضاء دفاعاً عن حقوقه
* المطالبة بالحقوق لا تتعارض مع الولاء للمؤسسة، والاحتكام إلى القضاء لا يمثل إساءة إليها.
* الإعلام المسؤول ليس مجرد ناقل للأحداث، بل يؤدي دوراً في التنبيه والتصويب ووضع القضايا أمام أصحاب القرار
* لقد تعلمنا في وزارة الخارجية أن الدبلوماسية تعني الدفاع عن مصالح الوطن ومواطنيه
* الولاء للوطن لا يعني التنازل عن الحقوق، والانتماء للمؤسسة لا يعني السكوت عن الخطأ
* المؤسسات الكبرى لا تخشى النقد، بل تستفيد منه. والمسؤول لا ينتقص من مكانته حين يراجع قراراً أو يصوّب خطأ
* الوزارة التي تدافع عن حقوق الأردن في العالم، ينبغي ألا تجعل أبناءها يبحثون عن حقوقهم في أروقة المحاكم.
ليست هيبة المؤسسات بما تشيّده من مبانٍ، أو بما ترفعه من شعارات، أو بما تحققه من حضور في الداخل والخارج؛ إنما بما تجسّده من قيم العدالة والإنصاف، وبمدى التزامها بالقانون، وحرصها على صون كرامة الإنسان وحقوقه. فالمؤسسات لا تُقاس بعظمتها في أعين الآخرين فحسب، بل بكيفية تعاملها مع أبنائها، ولا سيما أولئك الذين أمضوا سنوات عمرهم في خدمتها.
ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن وزارة الخارجية وشؤون المغتربين ليس حديثاً عن مؤسسة عادية في بنية الدولة الأردنية؛ فهي واجهة الوطن في العالم، وصوته في المحافل الدولية، والمؤسسة التي تضطلع بمسؤولية الدفاع عن مصالحه ورعاية شؤون مواطنيه في الخارج. وهي، بحكم طبيعة رسالتها، من أكثر مؤسسات الدولة التصاقاً بمفاهيم القانون والحقوق والواجبات والالتزامات الدولية.
لكن المفارقة التي تستحق التوقف والتأمل تتمثل في هذا السؤال: كيف لمؤسسة تتولى الدفاع عن حقوق الأردن ومواطنيه في الخارج أن يجد أحد العاملين فيها نفسه أمام تجربة مغايرة تماماً حين يتعلق الأمر بحقوقه داخل مؤسسته؟
إن العمل الدبلوماسي، كما يعرف كل من خبر ميدانه، ليس عملاً فردياً ولا إنجازاً ينسب إلى شخص بعينه، بل هو منظومة متكاملة تتضافر فيها جهود جميع العاملين في البعثة، على اختلاف مواقعهم ومسمياتهم ودرجاتهم الوظيفية. فالسفير، مهما بلغت خبرته ومكانته، لا يستطيع أداء رسالته بمعزل عن الدبلوماسي والإداري والمالي والفني وسائر العاملين. ولكل فرد في هذه المنظومة دور لا يجوز الانتقاص من أهميته؛ فنجاح العمل الدبلوماسي ثمرة تكامل الجهود، وليس امتيازاً تحتكره المواقع أو المناصب.
ومن هنا، فإن إنصاف موظفي الوزارة ليس منّة من مسؤول، ولا تفضّلاً من إدارة، بل واجب مؤسسي وأخلاقي وقانوني. وإذا كانت الوزارة تنتظر من موظفيها في الخارج أن يدافعوا عن مصالح الأردن بكل ما يملكون من قدرة ومسؤولية، فإن من أبسط مقتضيات الوفاء المؤسسي أن تكون هي أول من يصون حقوقهم ويحترم استحقاقاتهم، وألا يتحول القانون الذي تحتكم إليه الدولة لحماية حقوق مواطنيها إلى موضع خلاف عندما يكون المطالب به أحد موظفيها.
أكتب هذه الكلمات من واقع تجربة شخصية عشت تفاصيلها على مدى أكثر من ثلاثة عقود قضيتها في خدمة الدولة الأردنية من خلال وزارة الخارجية، متنقلاً في العمل بين عدد من البعثات الأردنية في الخارج. وهي سنوات أعتز بما قدمته خلالها لوطني، وأحمل منها الكثير من الذكريات والخبرات. غير أن مرحلة ما بعد انتهاء الخدمة تركت في نفسي مرارة لم أكن أتوقع أن أعيشها مع مؤسسة أفنيت فيها شطراً طويلاً من عمري.
فبعد انتهاء خدمتي، وجدت نفسي أمام معركة لم أتصور يوماً أن أخوضها: معركة الحصول على حقي التقاعدي. خمس سنوات كاملة أمضيتها في المراجعات والمخاطبات والكتب الرسمية ومحاولات الوصول إلى تسوية إدارية منصفة، من دون أن ينتهي الأمر إلى حل يضع حداً لهذا الملف وفقاً لما أراه حقاً كفله القانون.
خمس سنوات من الانتظار والجهد والاستنزاف النفسي والمالي، كان يمكن، في تقديري، اختصارها برأي قانوني منصف وقرار إداري مسؤول.
وحين استنفدت سبل المراجعة، لم يبق أمامي سوى اللجوء إلى القضاء؛ ذلك الملاذ الذي يلجأ إليه المواطن عندما لا يجد في المسار الإداري طريقاً إلى الإنصاف. وهناك، وبفضل الله، ثم بجهود محامٍ مقتدر، أنصفني القضاء الأردني، وتمكنت من الحصول على حقي استناداً إلى القانون.
كنت أظن أن هذه التجربة ستكون كافية لتدفع الوزارة إلى مراجعة موقفها، وأن تدرك أن الموظف الذي أمضى عقوداً في خدمتها لا ينبغي أن يضطر إلى مقاضاتها حتى يحصل على حقه. غير أن الخلاف تجدد لاحقاً حول جزء من مكافأة نهاية الخدمة، فوجدت نفسي مضطراً إلى اللجوء للقضاء مرة ثانية، وكانت النتيجة أن أنصفني القضاء مجدداً.
وهكذا، تحوّل الوصول إلى حقوق يفترض أن تُعالج في إطار إداري واضح إلى مسار طويل من المراجعات والمنازعات القضائية، وكأن الطريق إلى الإنصاف لا يكتمل إلا بالوقوف أمام المحكمة.
لكن أكثر ما يستدعي التوقف في هذه التجربة هو ما جرى في ملف استحقاقي لدى المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي.
فبدلاً من أن يُترك هذا الملف يأخذ مجراه القانوني الطبيعي أمام المؤسسة صاحبة الاختصاص، فوجئت، وفق ما عايشته في تلك المرحلة، بأن الوزارة سخّرت جهوداً وطاقات، وأوفدت مجموعة من موظفيها إلى مؤسسة الضمان الاجتماعي، في محاولة لإقناعها بعدم الاستجابة لمطالبي المتعلقة باستحقاقي.
ولم يكن الأمر، كما بدا لي، مجرد استفسار إداري أو تبادل للمعلومات بشأن نص قانوني، بل تحركاً استدعى إرسال وفد من الوزارة إلى مؤسسة رسمية أخرى، سعياً إلى الحيلولة دون حصولي على ما كنت أطالب به من حقوق.
وهنا أجد من الإنصاف أن أشير إلى موقف معالي السيدة نادية الروابدة، التي كانت تتولى إدارة المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي آنذاك، فقد كان لها موقف أقدّره وأرى أنه يستحق الذكر؛ إذ كان ردها، وفق ما شهدته في تلك الواقعة، واضحاً في أن ما تحاول الوزارة الحيلولة دون حصولي عليه هو حق لي بموجب القانون.
ولعل المفارقة اللافتة في هذه الواقعة أنني وجدت نفسي أمام مؤسسة رسمية أخرى تتمسك، بحسب ما لمسته، بتطبيق القانون وإنفاذ أحكامه، في الوقت الذي كنت أواجه فيه خلافاً مع المؤسسة التي أمضيت أكثر من ثلاثين عاماً في خدمتها.
وهنا يبرز سؤال لا يمكن تجاوزه: هل يعقل أن تتحول جهود المؤسسة التي يُفترض أن تكون حريصة على حقوق موظفيها إلى مسعى لإقناع مؤسسة رسمية أخرى بعدم الاستجابة لمطالبة ترى إدارتها أنها تستند إلى حق يقرّه القانون؟
لا أورد هذه الواقعة لمجرد تسجيل موقف شخصي، بل لأنها تثير تساؤلاً أوسع حول طبيعة النهج الإداري الذي يقف وراء مثل هذه التصرفات. فمن حق أي مؤسسة أن تتحقق من سلامة المطالبات المالية، وأن تحرص على حماية المال العام، لكن حماية المال العام لا تعني منازعة الموظف في حقوقه، ولا تبرر تسخير إمكانات المؤسسة للوقوف في وجه استحقاقاته إذا كانت تستند إلى أحكام قانونية واجبة التطبيق.
والحقيقة أنني لم أكن أطلب امتيازاً استثنائياً، ولا معاملة خاصة، ولم أبحث عن منّة من أحد. كل ما كنت أطالب به حقوقاً أرى أنها ترتبت على سنوات خدمة فعلية قضيتها في خدمة الدولة الأردنية. وكان أملي أن تكون الوزارة أول من يحرص على التحقق من هذه الحقوق وإنصافي، لا أن أجد نفسي في مواجهتها أمام المحاكم والمؤسسات الرسمية.
ثم جاء ملف بدل العمل الإضافي ليضيف فصلاً آخر إلى هذه التجربة. فقد طالبت بالتعويض عن ساعات العمل التي أديتها خارج أوقات الدوام الرسمي خلال فترة عملي في الخارج، استناداً إلى ما أراه من أحكام التشريعات الأردنية ذات العلاقة. ولم ألجأ إلى القضاء ابتداءً، بل حرصت على استنفاد السبل الإدارية المتاحة، ومنحت الوزارة فرصة لمعالجة الموضوع بعيداً عن أروقة المحاكم. وفي هذا الإطار، وجّه محاميّ كتاباً رسمياً إلى الوزارة، تضمّن طلباً واضحاً ورجاءً بمعالجة المسألة وتسويتها وفقاً للأصول القانونية إضافة للإنذار العدلي الذي تم أرساله للوزارة، تجنباً للجوء إلى القضاء.
غير أن ما أثار استغرابي وأسفي أن الوزارة لم تتجاوب مع هذه المخاطبة، فلم يصدر عنها رد بالموافقة أو بالرفض، ولم يُكلّف، بحسب ما وصلني، أي من الموظفين المختصين بدراسة الكتاب والرد عليه أو حتى توضيح موقف الوزارة منه. وبقيت مخاطبة المحامي من دون إجابة، وكأنها لم تستحق مجرد الرد الرسمي.
وهنا لا بد من التأكيد أن موضع الاعتراض لا يقتصر على عدم الاستجابة لطلبي؛ فمن حق الوزارة، بطبيعة الحال، أن تدرس المطالبة وأن تتخذ الموقف الذي تراه منسجماً مع القانون، سواء بالموافقة أو بالرفض، على أن يكون موقفها معللاً وواضحاً. أما أن تُترك مخاطبة رسمية صادرة عن محامٍ، تتضمن طلباً لتسوية نزاع محتمل، من دون أي رد أو توضيح، فذلك تصرف لا ينسجم مع أبسط مقتضيات العمل المؤسسي، ولا مع أصول المخاطبات الإدارية، ولا مع واجب احترام حق صاحب العلاقة في معرفة موقف الجهة الرسمية من مطالبته.
فكيف يُنتظر من المواطن أو الموظف أن يحرص على معالجة خلافه بالطرق الإدارية والقانونية، إذا كانت الجهة المعنية لا تكلف نفسها عناء الرد على مخاطبة رسمية تفتح باباً للتسوية؟ إن الرد على المطالبات والمخاطبات الرسمية ليس تفضّلاً من الإدارة، بل هو من مقتضيات مسؤوليتها وواجبها في التعامل مع أصحاب العلاقة بشفافية واحترام.
وبعد أن تعذر الوصول إلى معالجة إدارية، لم يبق أمامي سوى اللجوء إلى القضاء للمرة الثالثة. ولا تزال هذه القضية منظورة أمام المحاكم، ومن الطبيعي أن أترك الفصل فيها للقضاء، ثقةً باستقلاله ونزاهته.
إن المطالبة بالحقوق لا تتعارض مع الولاء للمؤسسة، والاحتكام إلى القضاء لا يمثل إساءة إليها. بل إن احترام القانون واللجوء إلى الوسائل التي كفلها الدستور والتشريعات هو من صميم الانتماء إلى الدولة ومؤسساتها. فلا يجوز أن يصبح الموظف موضع لوم أو تشكيك لمجرد أنه اختار الطريق القانوني للمطالبة بما يعتقد أنه حق له.
لكن السؤال الذي يظل قائماً: لماذا هذا الإصرار على استمرار النزاع مع الموظف، بدلاً من البحث عن تسوية قانونية منصفة، ولا سيما عندما تكون هناك آراء صادرة عن جهات رسمية مختصة تؤيد موقفه؟
وهل أصبح التشدد في مواجهة الموظفين، والبحث عن التفسيرات التي قد تؤخر حصولهم على استحقاقاتهم، يُعدّ في نظر بعض المسؤولين دليلاً على الحرص على المال العام، أو وسيلة لإظهار الحزم أمام المسؤول الأعلى؟
إن كان هذا هو التصور، فهو تصور يحتاج إلى مراجعة جادة. فالحرص على المؤسسة لا يُقاس بعدد المعارك التي تخوضها مع موظفيها، ولا بعدد الدعاوى التي تدخل فيها، بل بمدى التزامها بالعدالة، وقدرتها على تصويب الأخطاء، وتجنب تحويل الحقوق القانونية إلى نزاعات تستنزف الموظف والمؤسسة والخزينة معاً.
وفي هذا السياق، يبرز دور الدائرة القانونية في الوزارة بوصفه أحد الجوانب التي تستحق المراجعة والتقييم. فالدور الحقيقي للدائرة القانونية ليس البحث عن مخارج إجرائية لتكريس موقف إداري أو تعطيل مطالبة، وإنما تقديم رأي قانوني مستقل ومتوازن يحمي المؤسسة، ويصون حقوق العاملين فيها، ويضع أحكام القانون فوق الاعتبارات الإدارية والشخصية.
فالمستشار القانوني الذي يؤدي رسالته بمهنية هو من يضع المسؤول أمام الرأي القانوني الصحيح، حتى إن لم يتفق ذلك الرأي مع رغبته أو توجهه. والقانون لا تتغير أحكامه تبعاً للموقع الوظيفي لصاحب المطالبة، ولا ينبغي أن تختلف معاييره باختلاف هوية من يطالب بتطبيقه.
ومن هنا، أتساءل: هل يعلم دولة رئيس الوزراء، وهو ابن هذه الوزارة، بما جرى في هذه الملفات؟ وهل يعلم معالي وزير الخارجية أن موظفاً أمضى أكثر من ثلاثة عقود في خدمة الدولة وجد نفسه مضطراً إلى خوض ثلاث مواجهات قضائية بشأن حقوق مالية مرتبطة بخدمته؟ وهل وصلت إلى أصحاب القرار صورة كاملة عن هذه الوقائع، وعن الكلفة الإدارية والمالية والمعنوية التي قد تترتب على مثل هذا النهج؟
ولا بد، في هذا المقام، من استحضار جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، الذي جعل سيادة القانون والعدالة واحترام كرامة المواطن من المرتكزات الأساسية لرؤيته للدولة الأردنية الحديثة. وإنني على ثقة بأن هذه المبادئ التي يؤكدها جلالته تمثل مرجعاً لكل مؤسسة ومسؤول، وأن صون حقوق الأردني وكرامته يجب أن يكون حاضراً في كل قرار وإجراء. فلا يستقيم أن تكون مؤسسات الدولة عنواناً للعدالة، ثم يجد المواطن نفسه مضطراً إلى خوض سنوات من النزاع حتى يصل إلى حق يعتقد أن القانون كفله له.
فهيبة الدولة لا تُصان بإرهاق المواطن، ولا بإظهار قوة المؤسسة في مواجهة موظفها، وإنما تترسخ حين يشعر المواطن بأن القانون يحميه، وأن مؤسسات الدولة هي ملاذه للإنصاف، لا جهات يضطر إلى مقاضاتها طلباً له.
ومن غير المقبول أن نطالب الأردني في الخارج بالثقة بمؤسسات دولته، وأن ندافع عن حقوقه أمام الحكومات والجهات الأجنبية، بينما يجد أحد العاملين في مؤسساتنا الدبلوماسية نفسه مضطراً إلى قضاء سنوات في أروقة المحاكم للمطالبة بحقوقه.
ولا تقف المسألة عند حدود تجربتي الشخصية؛ إذ إن هناك، بحسب ما عُرف عن بعض الحالات التي واجهتها بعثاتنا الدبلوماسية في الخارج، نزاعات قضائية مع موظفين غير أردنيين انتهى بعضها إلى أحكام لصالحهم، وترتبت عليها أعباء مالية على الخزينة الأردنية. وهذه الحالات تستوجب مراجعة مؤسسية جادة؛ فاحترام حقوق العاملين في السفارات، والالتزام بقوانين الدول المضيفة والتشريعات ذات الصلة، ليسا مجرد واجب قانوني، بل هما أيضاً جزء من حماية مصالح الأردن وصورة بعثاته الدبلوماسية.
ومن الحكمة ألا ننتظر صدور أحكام قضائية في الخارج، وما قد يترتب عليها من التزامات مالية، حتى نكتشف أن معالجة الخلافات منذ بدايتها، وفق أصول قانونية وإدارية سليمة، كانت ستجنب الدولة أعباء كان بالإمكان تفاديها.
إنني لا أطرح هذه القضية رغبة في الإساءة إلى وزارة الخارجية، ولا انتقاصاً من دورها الوطني والدبلوماسي، بل انطلاقاً من حرصي على مؤسسة خدمت فيها سنوات طويلة، وأتمنى أن تبقى في المكانة التي تليق بها. فالانتقاد المسؤول لا يناقض الاعتزاز بالمؤسسة، والعتب لا يلغي الانتماء إليها؛ بل إن الحرص الحقيقي على سمعتها يقتضي الإشارة إلى مواطن الخلل والعمل على تصويبها.
كما أن الولاء للوطن لا يعني التنازل عن الحقوق، والانتماء للمؤسسة لا يعني السكوت عن الخطأ، واحترام المسؤول لا يعني إعفاء قراراته من المراجعة والمساءلة القانونية. فالمؤسسة القوية هي التي تسمح بالنقد الموضوعي، وتراجع قراراتها، وتعترف بالخطأ حين يقع، وتبادر إلى تصويبه قبل أن تتسع آثاره.
لقد تعلمنا في وزارة الخارجية أن الدبلوماسية تعني الدفاع عن مصالح الوطن، وأن التفريط بحقوقه أمر لا يجوز. واليوم أجدني أستحضر هذا المبدأ لأؤكد أن حقوق الموظف الأردني وكرامته جزء من المصلحة الوطنية، وأن صونها ليس تفصيلاً إدارياً، بل معيار من معايير العدالة التي تقوم عليها الدولة.
وهنا أعود إلى السؤال الذي اخترته عنواناً لهذا المقال: لماذا يا وزارة الخارجية؟
لماذا يمتد السعي إلى الحصول على الحق خمس سنوات من المراجعات؟ ولماذا يضطر موظف أمضى أكثر من ثلاثة عقود في خدمة الدولة إلى اللجوء للقضاء مرة بعد أخرى؟ ولماذا تُبذل الجهود لإقناع مؤسسة رسمية أخرى بعدم الاستجابة لمطالبته، بدلاً من التحقق من استحقاقه وإنصافه؟ ولماذا لا تكون الدائرة القانونية مرجعاً للمشورة والتصويب، بما يحول دون نشوء نزاعات كان بالإمكان معالجتها إدارياً وقانونياً؟
إنني لا أطلب من الوزارة أن تمنحني ما لا أستحق، ولا أنتظر من أحد أن يتجاوز القانون لمصلحتي. كل ما أطلبه أن يُطبّق القانون عليّ كما يُطبّق على غيري، وأن تُدرس مطالباتي بموضوعية وتجرد، بعيداً عن الاعتبارات الشخصية أو المواقف الإدارية المسبقة.
فالموظف الذي أمضى عمره في خدمة وطنه يستحق، عند انتهاء خدمته، أن يغادر مؤسسته محتفظاً باعتزازه بما قدمه، لا أن يجد نفسه أمام سلسلة من المراجعات والمنازعات والمحاكم، وأن تتحول سنوات عطائه إلى تجربة مثقلة بالمرارة والشعور بأنه مضطر إلى خوض معركة من أجل حقوقه.
إن المؤسسات الكبرى لا تخشى النقد، بل تستفيد منه. والمسؤول لا ينتقص من مكانته حين يراجع قراراً أو يصوّب خطأ، وإنما تتضرر المؤسسة حين يتحول التمسك بالمواقف إلى غاية بحد ذاته، وحين تغيب المراجعة الموضوعية عن قراراتها وإجراءاتها.
واليوم من مكان إقامتي في لندن، ومن خلال موقعي الإعلامي في «العموم نيوز»، أضع هذه القضية أمام الرأي العام انطلاقاً من مسؤولية وطنية ومهنية، لا سعياً إلى كسب قضية شخصية، ولا رغبة في تصفية حساب مع مؤسسة خدمت فيها أكثر من ثلاثة عقود. فالمسافة الجغرافية لا تفصلني عن وطني، ولا تعفيني من مسؤوليتي تجاه مؤسساته وسمعته.
إن ما أكتبه هو دعوة إلى مراجعة ما أراه أخطاء وممارسات إدارية وقانونية، والعمل على تصويبها قبل أن تتكرر مع موظفين آخرين، وقبل أن تتسع آثارها لتتحول إلى نزاعات قضائية تستنزف العاملين والمال العام، وتنعكس سلباً على الثقة بالمؤسسات وصورة الأردن وبعثاته الدبلوماسية في الخارج.
فالإعلام المسؤول ليس مجرد ناقل للأحداث، بل يؤدي دوراً في التنبيه والتصويب ووضع القضايا أمام أصحاب القرار، بما يساعد على معالجة الخلل قبل أن يتحول إلى أزمة. والوطن أكبر من الأشخاص، والمؤسسات أبقى من المسؤولين الذين يتعاقبون على إدارتها، والحرص على سمعتها لا يكون بتجاهل الأخطاء، بل بمواجهتها وتصويبها.
وأملي أن تصل هذه الرسالة إلى دولة رئيس الوزراء ومعالي وزير الخارجية، وأن تكون مدخلاً إلى مراجعة جادة لهذه الملفات والممارسات، لا من أجل إنصاف موظف واحد فحسب، بل حماية لحقوق العاملين في الوزارة، وصوناً للمال العام، وتعزيزاً لثقة الموظفين بمؤسستهم، وحفاظاً على المكانة التي تستحقها الدبلوماسية الأردنية.
فالوزارة التي تدافع عن حقوق الأردن في العالم، ينبغي ألا تجعل أبناءها يبحثون عن حقوقهم في المحاكم.
هذه ليست خصومة مع وزارة الخارجية، بل صرخة عتب من رجل خدمها أكثر من ثلاثة عقود، وما زال يتمنى أن يراها كما عرفها وأرادها دائماً: مؤسسة تحترم القانون، وتنصف موظفيها، وتصون كرامة أبنائها، وتكون قدوة في العدالة قبل أن تطالب الآخرين بها.
مع أنني أكتب من لندن، لكنني لا أكتب بعيداً عن وطني؛ وما أرجوه ليس انتصاراً لقضية شخصية، بل أن نمنع تكرار أخطاء قد يدفع الأردن ومؤسساته ثمنها غداً.