لندن – بقلم: رئيس مجلس الإدارة : محمد الطورة
حين يصبح النجاح العائلي تهمة.. والتشكيك بالآخرين عادة بعد كل انتخابات!
يسرني أن أتقدم بأصدق التهاني والتبريكات إلى سعادة الدكتور إبراهيم الطراونة بمناسبة فوزه برئاسة مجلس النواب الأردني، متمنياً له دوام التوفيق والنجاح في أداء هذه المسؤولية الوطنية، وخدمة الأردن وشعبه في ظل القيادة الهاشمية الحكيمة.
وفي الوقت الذي نبارك فيه للدكتور الطراونة هذه الثقة، نجد أن نتائج الانتخابات وما رافقها من تفاعلات قد فتحت الباب أمام بعض الأصوات التي بدأت بالهمز واللمز، وتوزيع علامات الاستفهام والاتهامات يميناً وشمالاً، وكأننا أمام حدث يستوجب التشكيك قبل التهنئة، والبحث عن مواطن الشبهة قبل احترام نتائج صندوق الاقتراع.
واللافت أن بعض علامات الاستفهام ذهبت باتجاه كون الرئيس الجديد شقيقاً للمهندس عاطف الطراونة، الذي سبق له أن ترأس مجلس النواب لسبع دورات عادية متتالية، خلال الفترة من عام 2013 وحتى عام 2020، وكأن تولي شقيقين للموقع ذاته في مرحلتين مختلفتين أمر يستدعي الاستغراب أو يفتح الباب للتشكيك!
وهنا يبرز سؤال يستحق أن نطرحه بهدوء وموضوعية: ما المانع من أن يتولى شقيقان رئاسة مجلس النواب؟ وهل تصبح صلة القرابة سبباً للتساؤل والانتقاد، أم أن الأصل أن يُقيّم كل إنسان وفق كفاءته وخبرته وقدرته على تحمل المسؤولية، وما يحظى به من ثقة واختيار؟
إن نجاح أحد أفراد الأسرة في موقع عام لا ينبغي أن يتحول إلى حاجز أمام بقية أفرادها، ولا يجوز أن تصبح القرابة العائلية قرينة اتهام أو سبباً للانتقاص من أهلية الآخرين. فالمواقع العامة ليست حكراً على عائلة أو فئة أو منطقة، كما أنها ليست إرثاً ينتقل بين أفراد الأسرة، وإنما هي مسؤوليات يتنافس عليها المؤهلون، ويحسم الاختيار فيها وفق الأطر الدستورية والقانونية والمؤسسية.
ولعل في تجارب العالم ما يؤكد أن وصول أكثر من فرد من الأسرة الواحدة إلى الموقع السياسي ذاته ليس أمراً غريباً أو مستهجناً. ففي الولايات المتحدة الأمريكية تولى جورج بوش الأب رئاسة البلاد، ثم وصل ابنه جورج بوش الابن إلى المنصب نفسه بعد سنوات، وكذلك سبق الرئيس جون آدامز ابنه جون كوينسي آدامز إلى البيت الأبيض.
وعلى الصعيد العربي، شهد لبنان تجربة مماثلة عندما انتُخب أمين الجميل رئيساً للجمهورية عام 1982، بعد اغتيال شقيقه بشير الجميل الذي كان قد انتُخب للمنصب نفسه. وهذه أمثلة لا تعني بالضرورة تطابق الظروف أو التجارب، لكنها تؤكد أن تولي الأشقاء مواقع سياسية عليا ليس أمراً مستغرباً بحد ذاته، وأن الحكم الحقيقي ينبغي أن يكون على الأداء والكفاءة والاختيار.
أما الحديث عن الخلفية الاقتصادية والمالية، وكون بعض أفراد العائلة من أصحاب الأعمال ورؤوس الأموال، فهل أصبح النجاح الاقتصادي سبباً للانتقاص من أصحابِه؟ وهل ينبغي على رجل الأعمال أن يتخلى عن نشاطه الاقتصادي وخبرته حتى يكون مقبولاً في العمل السياسي؟
إن رجال الأعمال والمستثمرين جزء من المجتمع، ولهم الحق نفسه في المشاركة بالحياة العامة والسياسية، كما هو الحال مع الأطباء والمهندسين والأكاديميين والمحامين وغيرهم. بل إن الخبرة الاقتصادية والإدارية قد تشكل إضافة مهمة للمؤسسات العامة، شريطة الالتزام بالقانون، والفصل بين المصالح الخاصة والمسؤوليات العامة، والخضوع لقواعد الشفافية والمساءلة وتجنب تضارب المصالح.
ومن جهة أخرى، فإن التوافقات التي تسبق الانتخابات البرلمانية ليست أمراً مستغرباً في الحياة السياسية، بل هي جزء من طبيعة العمل النيابي في كثير من الديمقراطيات. فالكتل والأحزاب تتفاوض، وتبني التحالفات، وتتفق على مرشحين وتوزيع للمواقع، وهي ممارسات سياسية معروفة ما دامت تتم في إطار القانون والنظام الداخلي، وتبقى الكلمة الفصل لصندوق الاقتراع.
وفي الحالة الأردنية، جاءت تفاهمات عدد من الكتل النيابية بشأن مواقع المكتب الدائم، وكان من بينها التوافق على تخصيص موقع الرئاسة لكتلة الميثاق التي اختارت الدكتور إبراهيم الطراونة مرشحاً لها. ثم جرت الانتخابات وفق الأصول، وحصل الدكتور الطراونة على 70 صوتاً، مقابل 38 للنائب مجحم الصقور و23 للنائب سليمان الزبن، فيما أُلغيت سبع أوراق اقتراع.
ومن حق أي نائب أو كتلة أو مراقب أن يناقش تلك التفاهمات وأن يختلف معها سياسياً، لكن من المهم التمييز بين النقد السياسي المشروع وبين إطلاق الاتهامات والتشكيك في نزاهة الانتخابات دون أدلة. فالتوافق السياسي ليس في حد ذاته مخالفة، والاتفاق بين الكتل لا يلغي دور صندوق الاقتراع، ما دامت الإجراءات قد تمت وفق الأطر المعتمدة.
والمؤسف أن التشكيك بنتائج الانتخابات أصبح لدى بعض الأوساط نمطاً يتكرر في الأردن بعد كل استحقاق انتخابي، سواء تعلق الأمر بمؤسسة نيابية أو نقابية أو مهنية أو اجتماعية. فما إن تُعلن النتائج حتى تبدأ التأويلات، وتُطرح علامات الاستفهام، وتُنسج الروايات حول الكواليس والاتفاقات، وكأن النتيجة لا تكون مقبولة إلا إذا جاءت على هوى كل من شارك في المنافسة أو تابعها.
إن من حق الخاسر أن يعترض، ومن حق الإعلام أن يسأل، ومن حق المواطن أن ينتقد ويطالب بالشفافية، لكن ذلك كله يجب أن يستند إلى الوقائع والأدلة، لا إلى الأحكام المسبقة أو الانطباعات الشخصية أو الحسابات الضيقة.
نحن لا ندعو إلى تحصين أي مسؤول من النقد، ولا نقول إن صلة القرابة أو المكانة الاقتصادية تمنح أحداً حصانة من المساءلة، بل نؤكد أن المساءلة يجب أن تكون على أساس الأداء والسلوك والالتزام بالقانون، وليس على أساس اسم العائلة أو الخلفية الاجتماعية والاقتصادية.
وفي النهاية، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا جميعاً ليس: من شقيق من؟ أو من أي عائلة جاء الرئيس الجديد؟ أو ما هي خلفيته الاقتصادية؟ بل السؤال الأهم: ماذا سيقدم لمجلس النواب؟ وكيف سيؤدي دوره التشريعي والرقابي؟ وهل سينجح في أن يكون على قدر المسؤولية والثقة التي مُنحت له؟
فلنترك للدكتور إبراهيم الطراونة فرصة العمل، ولنحكم على تجربته من خلال أدائه وإنجازاته، كما حكمنا على تجربة شقيقه المهندس عاطف من خلال سنوات رئاسته للمجلس.
فالديمقراطية لا تعني فقط أن نمارس حقنا في الاختيار، بل تعني أيضاً أن نحترم نتائج الاختيار، وأن نقبل بأن تتعدد العائلات والأسماء والخبرات في مواقع المسؤولية.
لقد آن الأوان أن ننتقل من ثقافة التشكيك بالناجحين إلى ثقافة تقييم الإنجازات، ومن البحث عن صلات القرابة إلى الاحتكام إلى الكفاءة، ومن إطلاق الأحكام إلى احترام الوقائع.
فالنجاح ليس حكراً على أحد، والمشاركة في الحياة العامة حق أصيل، والمسؤولية في نهاية المطاف تكليف وليست امتيازاً عائلياً.