تتزاحم أفكاري على شكل صور، وأنا أحتسي الشاي المعتّق على شرفة مقهى الكمال، في قلب إربد القديمة. أراقب تقاطع الهاشمي، حيث تعبر الوجوه أمامي كأنها صفحات كتاب مفتوح، لا تنتهي حكاياته، ولا تتوقف أسئلته.
هنا، لا تحتاج إلى كثير من الخيال كي تكتب قصة؛ يكفي أن تجلس قليلاً، وأن تنظر إلى الناس بعين القلب، لا بعين العابر المستعجل. فكل وجه يحمل صورة، وكل صورة تخبئ حكاية، وكل حكاية تقودك، بطريقة أو بأخرى، إلى سؤال عن هذا البلد الذي نحبه، ونخشى عليه، ونختلف أحياناً في فهم ما يجري فيه.
امرأة تعبر الشارع على نحو خاطئ، فتربك حركة المرور. تتعالى أبواق السيارات، ويشير سائق بيده محتجاً، فيما تواصل المرأة طريقها بارتباك، كأنها لم تجد في الشارع متسعاً آمناً لعبورها.
أتأمل المشهد، وأتساءل: أهي امرأة لا تحترم قواعد المرور، أم أن المدينة التي اتسعت للسيارات نسيت أن تترك للإنسان حقه في العبور؟
لا أبرر الخطأ، لكنني أعرف أن المدن لا تقاس باتساع شوارعها وحده، بل بقدرتها على حماية أضعف العابرين فيها.
وعلى الرصيف المقابل، طفلة صغيرة تبكي بحرقة. تشد يد أمها، وتشير إلى لعبة «باربي» خلف واجهة متجر للألعاب. تنحني الأم نحوها، تحاول إقناعها بكلمات لا أسمعها، ثم تمسح دموعها بيد مرتبكة.
أفهم من ملامح الأم وحركتها أنها لا ترفض شراء اللعبة لأنها لا تريد إسعاد ابنتها؛ ثمة شيء آخر يقف بين رغبة الطفلة وقدرة الأم.
ربما لم يكن في جيبها ثمن اللعبة.
تبتعد الأم وهي تحاول احتواء طفلتها، وتبقى اللعبة في مكانها، مضاءة خلف الزجاج، جميلة وباردة، لا تعرف شيئاً عن تلك الدموع الصغيرة.
أرتشف ما تبقى من الشاي.
كم من حكاية تختبئ خلف واجهات المحال في هذه المدينة؟ وكم من أب وأم يتدربان كل يوم على إخفاء عجزهما أمام أطفالهما، حتى لا تتسرب إليهم مبكراً مرارة الحياة؟
من هنا، من شرفة مقهى الكمال، يبدو الأردن كتاباً مفتوحاً، لكن بعض صفحاته مكتوب بحبر لا يراه إلا من يقترب من الناس.
وأنا، الذي اعتاد أن يقرأ السياسة في تصريحات المسؤولين، أكتشف مرة أخرى أن السياسة الحقيقية قد تكون في دمعة طفلة، أو في امرأة تبحث عن طريق آمن، أو في أب يؤجل شراء ما يحتاجه بيته حتى نهاية الشهر.
وبينما تتزاحم هذه الصور في رأسي، أتذكر عصام، الخياط الذي تختزن مهنته حكايات الناس، وأتذكر ثوبه الأسود الذي بدا لي ذات يوم أكثر من مجرد قطعة قماش.
—
كان عصام خياطاً في أحد أزقة إربد القديمة. أمضى أربعين عاماً خلف ماكينة الخياطة، يتعامل مع الأقمشة كما يتعامل الحكيم مع الكلمات؛ يختارها بعناية، ويعرف أن خيطاً صغيراً في غير موضعه قد يفسد أجمل الثياب.
ورث المهنة عن أبيه، الذي كان يقول له دائماً:
«يا بني، الثوب لا يستر الجسد وحده؛ أحياناً يستر صاحبه من انكسار لا يريد للناس أن يروه».
كبر عصام وهو يؤمن بأن الإبرة لا تكذب، وأن القماش، مهما كان متواضعاً، يمكن أن يصبح جميلاً إذا لامسته يد أمينة.
لكن الحياة لا تبقى على مقاس أحلامنا.
تراجعت حركة الدكان، وارتفعت الأسعار، وصار الزبائن يطلبون تأجيل الحساب إلى آخر الشهر. بعضهم كان يعتذر بخجل، وبعضهم يضع ما يستطيع من النقود على الطاولة، ثم يغادر وهو يعد نفسه بالعودة حين تتحسن الأحوال.
لم يكن عصام يحرج أحداً. كان يعرف أن الفقر لا يحتاج إلى شاهد إضافي على وجعه.
في بيته، كانت زوجته تؤجل شراء احتياجاتها، وابنه الجامعي ينتظر وظيفة مستقرة، وابنته تؤجل زواجها حتى لا يبدأ بيتها الجديد بالديون.
أما أصغر أبنائه، فكان يسأله أحياناً:
«أبي، متى سنشتري سيارة مثل عمي؟».
فيبتسم عصام ويقول:
«حين يكبر رزقنا يا حبيبي».
ولم يكن يعرف كيف يشرح لطفل أن الرزق قد يبدو وفيراً في الأرقام، لكنه يضيق أحياناً في جيوب الناس.
—
في صباح شتوي، دخل دكان عصام رجل أنيق، تفوح منه رائحة عطر غالٍ، ويتفقد هاتفه كل بضع ثوانٍ.
قال الرجل:
«أريد ثوباً أسود. أسود تماماً، لا يميل إلى الرمادي، ولا تفضحه الإضاءة».
أخرج عصام قطعة قماش فاخرة، ومدّها فوق الطاولة. مرّر الرجل أصابعه عليها، ثم قال:
«أريده ناصع السواد».
ابتسم عصام ابتسامة خفيفة.
«الناصع، يا سيدي، صفة البياض عادة».
رد الرجل بجدية:
«أنا أريد ثوباً لا يشبه ما يرتديه الآخرون. افهم ما أقصد».
لم يسأله عصام أكثر. أخذ مقاساته، وسجل موعد التسليم، ثم سأله عن المناسبة.
قال الرجل:
«احتفال رسمي. حضور كبير، وكاميرات كثيرة، وصور ستبقى طويلاً».
عرف عصام أن زبونه يشغل موقعاً مهماً في إحدى المؤسسات العامة، وأن اسمه يتردد في الأخبار أكثر مما يتردد في الأحاديث العادية.
بعد أيام، حمل الثوب إلى المكتب الذي طلب الرجل تسليمه إليه.
في غرفة الانتظار، جلس إلى جانب رجل مسن يحمل ملفاً بلاستيكياً شفافاً، تتكدس داخله أوراق قديمة.
قال المسن:
«أراجعهم منذ أشهر. لابني مستحقات متأخرة، وعنده أربعة أطفال. كل مرة يقولون لي: الأسبوع المقبل».
ثم نظر إلى الملف وأضاف:
«ابني لا يريد صدقة. يريد حقه».
لم يعرف عصام ماذا يقول. كان الرجل يتحدث بصوت هادئ، لكن في عينيه تعب سنوات من الانتظار.
بعد قليل، استدعاه الموظف إلى المكتب.
كان المسؤول واقفاً أمام مرآة طويلة، يرتدي الثوب الذي خاطه عصام. استدار يميناً ويساراً، ثم ابتسم.
«هذا ما أريده تماماً. ثوب يليق بالمناسبة».
أصلح عصام طرف الكم، وتأمل الثوب لحظة. كان متقناً، فاخراً، لا تشوبه شائبة.
لكنه تذكر الرجل المسن في غرفة الانتظار، وملفه الذي بدا أثقل من الأوراق التي يحتويها.
خرج من المكتب، فوجد الرجل لا يزال جالساً في مكانه.
قال له عصام:
«هل قابلت المسؤول؟».
أجاب المسن:
«قابلت أبواباً كثيرة يا ابني. أما المسؤول، فما زلت أنتظر».
غادر عصام المبنى، لكنه لم يستطع أن يغادر تلك الجملة.
—
في المساء، شاهد عصام الاحتفال على شاشة التلفاز. كانت الأعلام مرفوعة، والوجوه مبتسمة، والخطب تتحدث عن الإنجاز والتحديث والفرص التي تنتظر الشباب.
ظهر صاحب الثوب الأسود في الصفوف الأمامية، يصفق حين يصفق الآخرون، ويبتسم عندما تقترب الكاميرا.
قال ابن عصام الجامعي:
«يبدو أن البلد يتقدم يا أبي».
أجاب عصام بعد صمت:
«أتمنى ذلك يا بني. ما في قلوبنا على البلد إلا الخير».
ثم نظر إلى ابنه وأضاف:
«لكنني أتمنى أيضاً أن تصل أخبار الإنجاز إلى البيوت التي لا تجد ما يكفيها حتى نهاية الشهر».
قال الشاب:
«ربما تحتاج الأمور إلى وقت».
ابتسم عصام.
«نعم، كل شيء يحتاج إلى وقت. لكن هناك فرقاً بين الوقت الذي ننتظره، والوقت الذي يضيع من أعمارنا ونحن ننتظر».
—
بعد أسابيع، عاد صاحب الثوب إلى الدكان لإجراء تعديل بسيط في الأكمام.
وبينما كان عصام يثبت القماش بالدبابيس، سأله الرجل:
«كيف حال الناس عندكم؟».
أجاب الخياط:
«على قد الحال».
ضحك الرجل وقال:
«كلنا على قد الحال».
رفع عصام عينيه عن القماش.
«أتسمح لي أن أقول شيئاً يا سيدي؟».
أومأ الرجل.
قال عصام:
«الناس تريد عملاً يحفظ كرامتها، ومدرسة لا ترهق أهلها، وعلاجاً لا يخيف مريضها، وراتباً يكفي البيت حتى آخر الشهر. يريد الشاب أن يجد وظيفة بكفاءته، لا أن يظل ينتظر من يعرفه أو يتوسط له».
سكت لحظة، ثم تابع:
«ويريد المواطن أن يسمعه المسؤول قبل أن يطلب منه التصفيق».
تغير وجه الرجل قليلاً.
«أنت تتحدث كأنك تكتب مقالاً سياسياً».
ابتسم عصام.
«أنا أخيط الثياب يا سيدي، لكنني أسمع الناس كل يوم. ربما لا أعرف لغة المكاتب، لكنني أعرف مقاس الوجع».
ظل الرجل صامتاً.
ثم سأله:
«وماذا تريد من المسؤولين؟».
أجاب عصام:
«أن ينظروا إلى الناس كما ينظرون إلى المرآة قبل الخروج إلى المناسبات. فالمرآة لا تكذب، لكنها لا تقول كل شيء أيضاً. أحياناً تحتاج أن تخرج من الغرفة لترى كيف تبدو في عيون الآخرين».
غادر الرجل بعد أن دفع الحساب.
ولم يعرف عصام إن كان سيعود، أو إن كانت كلماته قد وصلت إلى مكان ما خلف الأبواب المغلقة.
لكنه كان يعرف شيئاً واحداً: أن محبة الوطن لا تعني الصمت عن أوجاعه، وأن النقد ليس خيانة، كما أن التصفيق ليس دليلاً على الرضا.
—
في صباح الجمعة، علم عصام بوفاة الرجل المسن الذي قابله في غرفة الانتظار.
ذهب إلى بيت العزاء في قرية قريبة. وجد الابن جالساً بين المعزين، شاحب الوجه، يجيب عن كلمات المواساة بصمت.
اقترب منه عصام وقال:
«رأيت أباك قبل أيام. كان يحمل ملفاً لمستحقاتك».
أطرق الابن رأسه.
«كان يذهب كل أسبوع. لم يكن يريد المال لنفسه. كان يقول إن أولادي لهم حق في حياة أفضل».
ثم أضاف بصوت خافت:
«كان أبي يخجل أن يطلب من الناس، لكنه لم يكن يخجل من المطالبة بحقه».
جلس عصام إلى جانبه، وشعر أن تلك الحكاية لم تعد حكاية رجل غريب.
كانت حكاية كل إنسان يطرق باباً بحثاً عن حقه، ثم يعود إلى بيته حاملاً موعداً جديداً للانتظار.
وحين غادر بيت العزاء، رأى أطفالاً يركضون في الطريق، وامرأة تنشر الغسيل على سطح منزل قديم، وصاحب متجر يرفع باب محله استعداداً ليوم عمل جديد.
كان كل شيء عادياً، إلى درجة موجعة.
ومع ذلك، لم يرَ عصام وطناً مكسوراً. رأى وطناً يستحق أن يكون أفضل، وناساً ما زالوا ينهضون كل صباح رغم التعب.
وهذا هو الفرق بين اليأس والعتب: اليائس يغادر قلبه المكان، أما الذي يعاتب فما زال ينتظر منه شيئاً.
—
أعود إلى شرفة مقهى الكمال في إربد القديمة. برد الشاي، وتبدلت الوجوه عند تقاطع الهاشمي، لكن الصور لم تغادر رأسي.
أتذكر المرأة التي أربكت المرور، وأتساءل إن كانت المدينة قد منحتها طريقاً آمناً تعبره. وأتذكر الطفلة التي بكت أمام واجهة الألعاب، وأتساءل كم مرة ستتعلم أن تخفي رغباتها حتى لا تثقل على أمها.
ثم أتذكر عصام، الخياط الذي خاط ثوباً ناصع السواد لرجل سيظهر في الصفوف الأمامية، بينما بقي رجل آخر ينتظر حقاً لم يصل إليه في حياته.
أفكر في أن الأردن أكبر من أخطاء مسؤول، وأبقى من منصب عابر، وأعمق من صورة تلتقطها الكاميرات. وأن محبة الوطن ليست أن نجمّل كل ما فيه، بل أن نريد له أن يكون جديراً بأبنائه.
في دكان عصام، ما زالت ماكينة الخياطة تعمل. يدخل الناس بأثوابهم الممزقة، وبحاجاتهم الصغيرة، وبحكايات لا تنتهي.
أما الثوب الأسود، فقد بقي معلقاً في ذاكرته، لا لأنه كان أجمل ما خاط، بل لأنه علّمه أن بعض الناس يتقنون تفصيل المظهر، ثم ينسون تفصيل الحياة.
فليس المهم أن يبدو الوطن جميلاً في الصورة، بل أن يشعر أبناؤه بالجمال وهم يعيشون فيه.
وليس المهم أن يكون الثوب ناصع السواد، بل أن تبقى الأيدي التي تفصّله نظيفة، والقلوب التي ترتديه قادرة على رؤية الناس.