لندن: محمد الطّورة
لا تهدموا الأمس لتصفقوا لليوم
ورد في مادة صحفية نُشرت مؤخرًا في أحد المواقع الإخبارية، في سياق الحديث عن أداء الحكومة الحالية برئاسة دولة الدكتور جعفر حسان، استحضارٌ لتصريح سابق لرئيس مجلس الأعيان دولة السيد فيصل الفايز، وُصف فيه مستوى الرضا عن الأوضاع آنذاك بعبارة «الملك غير راضٍ». ويشير التقرير، في المقابل، إلى أن الارتياح الملكي لأداء الحكومة الحالية بات أكثر وضوحًا، وأن نهجها الميداني وقراراتها أعادا شيئًا من الثقة.
توقفت عند هذا الطرح، ليس اعتراضًا على الإشادة بأداء الحكومة الحالية إن كان ما أنجزته يستحق الإشادة، وإنما عند المقارنة الضمنية بين حاضر يُقدَّم في صورة أكثر إشراقًا، وماضٍ يُراد له أن يبدو أقل نجاحًا.
وهنا أجد نفسي أمام أسئلة أعتقد أن من حق المواطن الأردني أن يطرحها: ما مناسبة مثل هذا الكلام؟ ولماذا الآن؟ وما الغاية منه؟ والأهم: ماذا سيضيف إلى المواطن أو إلى صورة الدولة؟
في اعتقادي أن المواطن الأردني أذكى من أن تنطلي عليه هذه الطريقة في صناعة الصور. فقد اعتاد أن يرى المسؤول، ما دام في موقعه، محاطًا بالثناء، فإذا غادره انقلبت بعض المنابر عليه، وبدأت محاكمته بأثر رجعي، وكأن مغادرته للكرسي هي الدليل الذي كان ينقص الناس لاكتشاف أخطائه. ثم لا تلبث الماكينة ذاتها أن تستقبل القادم بالمديح، قبل أن تتاح له فرصة واحدة ليُحاسب على ما أنجز أو أخفق.
وهكذا يتحول تقييم المسؤول من ميزان الإنجاز إلى مزاج المرحلة.
وأتذكر هنا موقفًا عايشته عندما كنت أعمل في السفارة الأردنية في واشنطن، بمعية معالي الدكتورة علياء بوران. كانت تعقد اجتماعًا أسبوعيًا يضم جميع موظفي السفارة، وفي أحد الاجتماعات تحدث أحد الزملاء، الذي أصبح لاحقًا سفيرًا، عن زيارة لجلالة الملك عبدالله الثاني إلى الولايات المتحدة، واعتبرها من أنجح الزيارات منذ تولي جلالته الحكم، بما يوحي بأن نجاحها ارتبط بصورة خاصة بالجهود التي بذلتها السفارة في ذلك الوقت.
فجاء رد معاليها بسيطًا، لكنه يحمل درسًا كبيرًا في أخلاق المسؤولية: “جميع زيارات سيدنا ناجحة، ومن سبقونا بذلوا جهودًا كبيرة في إنجاح زياراته، فلا ننسب النجاح إلى أنفسنا وحدنا”.
توقفت طويلًا عند تلك العبارة؛ لأنها تختصر كثيرًا مما نفتقده أحيانًا في خطابنا العام: المسؤول الذي يثق بإنجازه لا يحتاج إلى إسقاط إنجاز من سبقه.
ولعل أقرب مثال على ذلك الحكومة السابقة برئاسة دولة الأخ بشر الخصاونة، التي جاءت قبل الحكومة الحالية مباشرة، واستمرت في تحمل مسؤولياتها قرابة أربع سنوات. وهي، كغيرها من الحكومات، لها ما لها وعليها ما عليها، وقد نختلف مع بعض قراراتها أو سياساتها، لكن من غير المنصف أن تتحول بمجرد مغادرتها إلى نموذج للفشل، ثم تتحول الحكومة التي تلتها تلقائيًا إلى نموذج للنجاح.
واللافت أن دولة الأخ الدكتور جعفر حسان ودولة الأخ بشر الخصاونة ينتميان إلى مدرسة واحدة من مدارس الدولة الأردنية؛ فكلاهما من أبناء الدبلوماسية الأردنية، وعمل كلاهما في مواقع الدولة وخدم إلى جانب جلالة الملك عبدالله الثاني. ولذلك فإن اختزال تجربة أحدهما في الإخفاق، وتجربة الآخر في النجاح، لا يخدم الحقيقة بقدر ما يعكس تلك العادة التي طالما رافقتنا: نمدح القادم لأنه قادم، ونجلد السابق لأنه أصبح في الماضي.
إن كانت الحكومة الحالية قد حققت ما يستحق الإشادة، فليكن ذلك موثقًا بالإنجاز والنتائج، لا بالمقارنة المجحفة مع من سبقها. فالحكومات لا تعمل في فراغ، وكل حكومة تسلم ما أنجزته وما أخفقت فيه إلى التي تليها، ومن الظلم أن نبدأ كل مرحلة وكأن الدولة كانت تنتظر وصول المسؤول الجديد كي تبدأ من جديد.
ولست هنا بصدد الدفاع عن حكومة بعينها أو عن رئيس وزراء بعينه؛ فلكل تجربة ما لها وما عليها. لكنني أدافع عن مبدأ أبسط وأعمق: أن يكون لنا ميزان واحد نحاكم به الجميع، وألا تتبدل معاييرنا بتبدل المقاعد.
فالمواطن لا يحتاج إلى من يصنع له أبطالًا، ولا إلى من يقنعه بأن القادم هو المنقذ وأن الراحل كان عبئًا. المواطن يريد حكومة تعمل، وبرامج واضحة، وقرارات يشعر بأثرها، ومسؤولًا يعرف أن المنصب تكليف لا تشريف.
والنقد مطلوب، بل هو ضرورة، لكن النقد شيء والتجريح شيء آخر، والمساءلة شيء وصناعة الاتهام شيء آخر. كما أن المديح حين يستند إلى إنجاز مرحب به، أما المديح الذي يسبق الإنجاز فلا يعدو أن يكون صناعة مبكرة لصورة قد لا تصمد أمام الواقع.
لذلك، دعونا نرحب بالقادم بما ينجز، ونحاسب الراحل بما أنجز أو أخفق، دون أن نهدم الأمس لنصفق لليوم.
الحكومات تتعاقب، والمسؤولون يتغيرون، لكن الدولة لا تبدأ من الصفر كل صباح.
ليس كل قادمٍ إنجازًا، وليس كل راحلٍ إخفاقًا.
فالأردن أكبر من حكومة، وأكبر من رئيس وزراء، وأكبر من وزير، وأكبر من أن يكون نجاحه رهينًا بشخص أو فشله منسوبًا إلى شخص.
فلا تصطادوا في الماء العكر، ولا تجعلوا من اختلاف المراحل وتضارب المصالح سببًا لجلد حكومات الوطن. المطلوب أن تنتصر الدولة في كل حكومة، لا أن تنتصر حكومة على حكومة.