لندن: محمد الطّورة
الملك يصون المُلك، والحكومات مطالبة بأن تكون شريكًا في صونه، لا أن تجعل المُلك مجالًا للمحاصصة والمكاسب.
ليس كلُّ من امتلك المُلكَ كان مَلِكًا في أعين الناس؛ فالمُلك قد يكون سلطةً وموقعًا وصلاحيات، أما المَلِك الحقيقي فيُقاس بما يصون من أمانة، وما يحفظ من وطن، وما يتركه من أثر.
ومن جمال اللغة العربية أن حركةً واحدة قد تفتح أمامنا معنى واسعًا؛ فـالمَلِك بفتح الميم هو صاحب السلطان والحكم، أما المُلك بضم الميم فهو ما يُحاز من سلطانٍ وقدرةٍ ونفوذ. وبين الكلمتين مساحةٌ واسعة من المسؤولية؛ فليس المهم أن يحوز الإنسان المُلك، وإنما كيف يصونه، ولمن يسخّر ما حازه من صلاحيات.
ومن هنا، فإن الحديث عن جلالة الملك عبدالله الثاني لا ينبغي أن يتوقف عند لقب المَلِك، بل يمتد إلى معنى المُلك الذي اؤتمن عليه: الأردن، أرضًا وشعبًا ودولةً وهويةً ومستقبلًا.
منذ توليه سلطاته الدستورية حافظ الملك عبدالله الثاني على ثوابت الدولة الأردنية، وعلى أمنها واستقرارها، وخاض خلال سنوات حكمه ظروفًا إقليمية ودولية بالغة التعقيد، ظل خلالها الأردن متمسكًا باستقراره وبقراره الوطني وبمكانته العربية والدولية.
لكن صون المُلك ليس مسؤولية المَلِك وحده.
فالملك، مهما بلغت قدرته ، يحتاج إلى حكومةٍ تكون عونًا له، وإلى مؤسساتٍ تترجم رؤيته إلى عمل، وإلى مسؤولين يدركون أن المواقع العامة ليست مغانم، وأن الصلاحيات ليست امتيازات شخصية، وأن المنصب العام ليس طريقًا إلى النفوذ والمكاسب، وإنما أمانةٌ ومسؤولية.
وهنا تبدأ مسؤولية الحكومات.
فكتب التكليف الملكي السامي ليست مجرد وثائق تُعلن عند تشكيل الحكومات، ولا برامج تُكتب ثم تُنسى في أدراج المؤسسات؛ إنها خريطة عمل، وعهدٌ بين الحكومة والملك والوطن، ينبغي أن تتحول مضامينها إلى سياسات وبرامج ومشروعات ونتائج يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
والمطلوب من الحكومات أن تكون عَونًا للمَلِك في صون المُلك؛ عونًا في حماية منجزات الدولة، وفي بناء اقتصادٍ أكثر قدرة، وإدارةٍ أكثر كفاءة، وخدماتٍ أكثر عدالة، ومؤسساتٍ أكثر مهنية، لا أن تنشغل بإدارة المواقع والمناصب على حساب إدارة الملفات الوطنية.
إن المواطن الأردني لا يطلب المستحيل. هو يريد حكومةً تعمل، وتنجز، وتحاسب نفسها قبل أن تُحاسَب، وتضع الكفاءة في مقدمة معايير الاختيار، وتدرك أن الموقع العام ليس ملكًا لمن يشغله.
ولعل أكثر ما يؤلم المواطن حين يشعر أن بعض الصلاحيات الإدارية يمكن أن تتحول من أدواتٍ لخدمة الدولة إلى وسائلَ لصناعة النفوذ أو توزيع المواقع أو تحقيق المكاسب. فحين تصبح الوظيفة العامة جائزةً ترضية، أو حين يُنظر إلى المنصب باعتباره غنيمةً، فإن الضرر لا يقع على شخصٍ واحد، وإنما يمس ثقة المواطن بمؤسسات الدولة كلها.
إن الأردن بحاجةٍ إلى أن ننتقل من ثقافة إدارة الأشخاص إلى ثقافة إدارة الأداء، ومن السؤال: «من سيشغل الموقع؟» إلى السؤال الأهم: «من هو الأقدر على تحقيق أهداف الدولة؟».
وفي هذا السياق، يحق للمواطن الأردني أن يتطلع إلى أن يرتقي أداء الحكومات إلى مستوى الأداء الذي يراه في مؤسسات الدولة التي تقوم بواجباتها بحسٍ عالٍ من الانضباط والمهنية، ويأتي في مقدمتها مؤسساتنا العسكرية والأمنية، التي أصبحت مثالًا في العمل المؤسسي والانضباط وتحمل المسؤولية.
وليس المقصود هنا المقارنة بين طبيعة المؤسسات العسكرية والأمنية والمؤسسات المدنية؛ فلكل منها مهامها وخصوصيتها. لكن المواطن يرى في تلك المؤسسات نموذجًا جديرًا بالتأمل: العمل بصمت، والانضباط، والمهنية، ووضع الواجب فوق الاعتبارات الشخصية، والاستمرار في أداء المهمة بعيدًا عن الأضواء والمصالح الخاصة.
كما أن بقاء القيادات في بعض المواقع الحساسة لفترات طويلة، عندما تقترن هذه الاستمرارية بالكفاءة والإنجاز وحسن الأداء، يقدم درسًا مهمًا في قيمة الاستقرار المؤسسي وتراكم الخبرة. فبعض المواقع، بحكم حساسيتها، تحتاج إلى معرفة عميقة بتفاصيلها وإلى تراكم خبرة لا يمكن بناؤه كلما تغير المسؤول.
وفي المقابل، فإن بعض المواقع المدنية ذات الصلاحيات الواسعة والمسؤوليات الكبيرة قد تشهد تغييرات متكررة لا تتيح دائمًا للمسؤول فرصةً كافية لبناء مشروع مؤسسي أو متابعة نتائجه. والمطلوب ليس إطالة عمر المسؤول في موقعه لمجرد الإطالة، وإنما اعتماد معيار واضح: يبقى من ينجح، ويُغيّر من يفشل، ويُكافأ الإنجاز، وتُحفظ المؤسسات من الارتباط بالأشخاص.
وهذا هو جوهر الدولة المؤسسية التي يطمح إليها المواطن.
فالحكومة الناجحة ليست التي تكثر من القرارات، وإنما التي تُحسن اختيار القرار، وتنفذه، وتقيس أثره، وتتحمل مسؤوليته. والمسؤول الناجح ليس الذي يملك أكبر عدد من الصلاحيات، وإنما الذي يستخدم صلاحياته بأكبر قدر من النزاهة والكفاءة.
إن حماية المُلك، بمعناه الأوسع، تبدأ من حماية المؤسسة؛ وحماية المؤسسة تبدأ من وضع الرجل أو المرأة المناسبين في المكان المناسب؛ وحسن الاختيار لا يكون بالواسطة أو القرب أو الرغبة في إرضاء هذا الطرف أو ذاك، وإنما بالكفاءة والنزاهة والخبرة والقدرة على الإنجاز.
ولذلك، فإن مطالبة الحكومات بأن تكون عونًا للملك ليست مطالبةً بالولاء الشخصي، وإنما هي مطالبةٌ بالوفاء للمهمة الوطنية. فالملك يضع الرؤية، والحكومة تنفذ، والمؤسسات تعمل، والمواطن يراقب ويقيّم، والنتيجة النهائية يجب أن تكون وطنًا أقوى وأكثر عدلًا واستقرارًا.
وهنا يعود بنا المعنى إلى عنوان المقال:
المَلِكُ الذي صان المُلك، يحتاج إلى حكوماتٍ تصون معه المُلك.
حكوماتٌ لا تستغل الصلاحيات، ولا تجعل المناصب غنائم، ولا تتعامل مع المال العام وكأنه شأنٌ بعيد عن أعين المواطن، ولا ترى في الموقع العام فرصةً للنفوذ، بل تراه تكليفًا مؤقتًا ومسؤوليةً ستُسأل عنها.
فالمناصب تزول، والحكومات تتغير، والأسماء تغادر مواقعها، لكن الدولة تبقى.
ويبقى طموح المواطن الأردني أن يرى حكوماته ترتقي بأدائها إلى مستوى ما يليق بالأردن، وأن يصبح معيار المسؤولية العامة هو الإنجاز، ومعيار البقاء هو الكفاءة، ومعيار التقييم هو النتائج، ومعيار الاختيار هو الأمانة.
فإذا كان المَلِك قد صان المُلك، فإن أجمل ما يمكن أن تفعله الحكومات هو أن تكون سندًا في صونه، وأداةً في بنائه، وحارسًا على أمانته.
وحينها فقط يصبح المُلك أمانةً مشتركة، لا امتيازًا فرديًا، ويصبح المنصب خدمةً لا مغنمًا، وتصبح الدولة فوق الأشخاص جميعًا.
ذلك هو الأردن الذي نطمح إليه؛ أردنٌ تكون فيه الكفاءة أقوى من الواسطة، والمؤسسة أقوى من الشخص، والواجب أقوى من المصلحة، ويكون فيه كل مسؤولٍ عونًا للمَلِك في صون المُلك.