في الثالث من أيار، لا يبدو السؤال احتفاليًا بقدر ما هو اختبارٌ حقيقي لضمير العالم: هل ما زالت الصحافة حرة كما نحب أن نصدّق، أم أنها تعيش—بدرجات متفاوتة— تحت أشكالٍ مختلفة من الوصاية؟
قد تبدو الإجابة سهلة في ظاهرها. فالدساتير تنصّ، والقوانين تُعلن، والمنصات تتكاثر. لكن الحقيقة لا تُقاس بعدد المنابر، بل بمقدار ما تستطيع هذه المنابر أن تقول… دون خوف، ودون حساباتٍ تُثقل الكلمة قبل أن تولد.
لم تعد الوصاية على الصحافة تُمارس فقط عبر المنع الصريح أو الرقابة التقليدية، بل تغيّرت ملامحها، وأصبحت أكثر تعقيدًا وهدوءًا. قد تأتي على هيئة تشريعات تحمل عناوين براقة، لكنها تضبط إيقاع الكلمة، أو في صورة ضغوط اقتصادية تُعيد تشكيل أولويات المؤسسات الإعلامية، فتتقدّم اعتبارات البقاء على حساب الجرأة.
وفي الفضاء الرقمي، تبدو المفارقة أكثر حدّة؛ إذ تتسع مساحة النشر، لكن الحقيقة تواجه خطر الذوبان في بحرٍ من المعلومات المضللة. هنا، لا تُقمع الكلمة دائمًا، بل قد تُغرق، فيضيع أثرها، ويتراجع تأثيرها.
في هذا المشهد، لا تُمنع الكلمة بالضرورة… لكنها تُرهَق. تُدفَع إلى الهامش، أو تُستبدل بنسخٍ أكثر “أمانًا”، أقل إزعاجًا، وأكثر قابلية للمرور. وهنا تبدأ الوصاية الحقيقية: حين لا يُمنع الصحفي من الكتابة، بل يُعاد تشكيل ما يكتب.
الهامش الأردني… بين الممكن والممنوع
في الأردن، تبدو المعادلة دقيقة. هناك هامش من الحرية لا يمكن إنكاره، لكنه هامش يتحرّك وفق السياق؛ يتّسع حينًا ويضيق حينًا آخر، تبعًا لحساسية القضايا وتوازنات اللحظة. وفي هذا الحيّز الرمادي، يعيش الصحفي تحديًا يوميًا: كيف يكتب بصدق دون أن يُغلق الأبواب، وكيف يحافظ على مهنيته دون أن يُصادر صوته.
الأخطر من ذلك، أن تتحول القيود إلى رقابة داخلية، يمارسها الصحفي على نفسه قبل أن تُفرض عليه. عندها، لا تعود الوصاية قرارًا خارجيًا فقط، بل تصبح حالة ذهنية تُقيّد الفكرة قبل أن تُكتب.
ثمن الكلمة… أرقام تتحدث
ورغم كل ذلك، تبقى الصحافة مساحة مقاومة. وما يُبقيها حيّة هو إيمان أصحابها بأن الحقيقة تستحق أن تُقال، مهما كان الثمن.
في العام 2023، قُتل ما لا يقل عن 99 صحفيًا حول العالم أثناء أداء عملهم أو بسببه، وفق تقارير منظمات دولية معنية بحرية الصحافة. وهو رقمٌ يعكس أن الكلمة، في كثير من الأماكن، ما زالت تُواجَه بالعنف لا بالحجّة.
هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل شواهد على أن الصحافة ما زالت تؤدي دورها. فالكلمة التي لا تُقلق أحدًا، لا تُحارب، والصحافة التي لا تلامس الحقيقة، لا تُستهدف.
بين الحرية والوصاية… سؤال مفتوح
في يومها العالمي، لا يكفي أن نحتفي بحرية الصحافة، بل يجب أن نطرح السؤال بصدق: هل نريد صحافة حرة فعلًا، أم صحافة تُجيد التكيّف مع ما هو مسموح؟
فالفرق بين الحرية والوصاية قد يكون دقيقًا… لكنه حاسم.
الصحافة، إن لم تكن حرة، فقدت معناها.
وإن بقيت تحت الوصاية، تحوّلت من سلطة رقابة إلى أداة تبرير.
وفي تلك المسافة بين أن تُقال الحقيقة أو تُؤجَّل… يُكتب مستقبل المجتمعات.

