لندن: محمد الطّورة
الأردن وميزان الاستقرار في إقليم مضطرب: قراءة تحليلية في الأسباب والدروس
كمواطن أردني، يزداد شعوري بالفخر كلما وجدت نفسي خارج حدود الوطن، ويطرح عليّ من ألتقيهم السؤال ذاته: ما سر استقرار الأردن في منطقة تعصف بها الأزمات والاضطرابات؟ سؤال يتكرر، لكنه يحمل في طياته تقديرًا لتجربة تستحق التأمل. وفي كل مرة، أجد أن الإجابة لا يمكن اختصارها بجملة عابرة، بل هي حكاية وطن تشكّلت عبر سنوات من الحكمة والتوازن والصبر.
ومن خلال هذا المقال، ومن نافذة تحليلية أقدمها عبر موقع “العموم نيوز”، سأحاول أن أُسلّط الضوء على أبرز العوامل التي تقف خلف هذا الاستقرار، لتكون إجابة وافية لكل من يتساءل عن سر تميّز الأردن في محيطٍ ملتهب، ولتقديم صورة أقرب لفهم هذه التجربة التي تستحق أن تُروى وتُفهم.
أولًا: دور القيادة السياسية ورجاحة الحكم
يُعدّ دور القيادة عاملًا محوريًا في استقرار الأردن، حيث انتهجت القيادة الهاشمية، وعلى رأسها الملك عبد الله الثاني، سياسة تقوم على التوازن والاعتدال. فقد حرصت القيادة على تبني خطاب سياسي عقلاني، يجمع بين الحفاظ على المصالح الوطنية والانفتاح على العالم، مع تجنب الانجرار إلى محاور صراعية حادة. كما لعبت المؤسسة الملكية دور صمام الأمان، عبر قدرتها على امتصاص الأزمات الداخلية واحتوائها ضمن أطر سلمية.
ثانيًا: طبيعة النظام السياسي والمرونة المؤسسية
يعتمد الأردن نظامًا ملكيًا دستوريًا يتيح مساحة من المشاركة السياسية، وإن كانت محدودة نسبيًا، إلا أنها كافية لاحتواء التوترات ومنع انفجارها. هذه المرونة المؤسسية سمحت بإجراء إصلاحات تدريجية دون الإخلال باستقرار الدولة، وهو ما يفتقر إليه العديد من الدول التي شهدت انهيارات مفاجئة نتيجة الجمود أو القمع المفرط.
ثالثًا: الموقع الجغرافي كعامل تحدٍ وفرصة
يقع الأردن في منطقة تحيط بها بؤر توتر مزمنة، من فلسطين إلى العراق وسوريا. ورغم أن هذا الموقع يُمثل تحديًا أمنيًا واقتصاديًا، إلا أن الأردن نجح في تحويله إلى فرصة عبر لعب دور الوسيط المعتدل، والحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية.
رابعًا: العلاقات الدولية المتوازنة
اتسمت السياسة الخارجية الأردنية بالبراغماتية والاعتدال، حيث حافظت المملكة على علاقات جيدة مع القوى الكبرى، وفي الوقت ذاته لم تُفرّط بعلاقاتها العربية. هذا التوازن مكّنها من الحصول على دعم اقتصادي وسياسي، ساعد في تعزيز الاستقرار الداخلي، خاصة في ظل محدودية الموارد الطبيعية.
خامسًا: وعي المجتمع وتماسكه
لا يمكن إغفال دور المجتمع الأردني، الذي أظهر قدرًا عاليًا من الوعي السياسي والاجتماعي. فقد ساهمت الثقافة المجتمعية القائمة على الاعتدال والانتماء الوطني في الحد من الانقسامات الحادة. كما أن طبيعة المجتمع، القائم على الروابط العشائرية والاجتماعية المتينة، أسهمت في تعزيز الاستقرار ومنع الانزلاق إلى الفوضى.
سادسًا: إدارة الأزمات بكفاءة
تعامل الأردن مع أزمات معقدة، مثل تدفق اللاجئين والأوضاع الاقتصادية الصعبة، بسياسات واقعية ومتدرجة. ورغم الضغوط الكبيرة، نجحت الدولة في الحفاظ على الحد الأدنى من الخدمات والاستقرار، ما عزز ثقة المواطن بمؤسساتها.
الدروس المستفادة: ماذا يمكن أن تتعلم الدول الأخرى؟
- الاعتدال السياسي أفضل من المغامرة: تجنب السياسات المتطرفة يحمي الدول من الانزلاق إلى صراعات مدمرة.
- المرونة أهم من الجمود: الإصلاح التدريجي أكثر استدامة من التغيير المفاجئ والعنيف.
- التوازن في العلاقات الخارجية ضرورة: الانحياز الكامل لمحور واحد قد يهدد الاستقرار الداخلي.
- بناء الثقة بين الدولة والمجتمع أساس الاستقرار: الشعوب الواعية تشكل خط الدفاع الأول ضد الفوضى.
- القيادة الحكيمة تصنع الفارق: وجود قيادة قادرة على اتخاذ قرارات متزنة في أوقات الأزمات أمر حاسم.

