بدأنا نواجه مؤخرا ظاهرة جديدة تستحق التوقف والدراسة، لأنها باتت من أهم أدوات التأثير في العالم الحديث، وربما من أخطرها، إنها ظاهرة ما يسمى بـ«السلوبغندا» (slopaganda)، وترجمتها الدعاية الرديئة أو المبتذلة أو الركيكة، وهو مصطلح حديث يجمع بين المحتوى الرديء والدعاية السياسية، ويعني ببساطة استخدام سيل من الرسائل السريعة والسطحية والمثيرة للجدل بهدف توجيه الرأي العام أو تضليل الناس، أو إرباكهم، أو دفعهم إلى مواقف معينة.
في الماضي، كانت الدعاية تحتاج إلى صحف وإذاعات ومحطات تلفزة وخبراء إعلام، أما اليوم فقد تغير المشهد بالكامل. يكفي هاتف محمول، وعدد من الحسابات، وبعض أدوات الذكاء الاصطناعي، حتى يتم إنتاج آلاف الرسائل والصور والمقاطع خلال ساعات قليلة، فلم تعد المسألة مرتبطة بجودة الرسالة، بل بكثافتها وسرعة انتشارها.
«السلوبغندا» لا تهدف دائمًا إلى إقناع الناس بحقيقة معينة مثلما هي الدعاية السياسية التقليدية أو الدعاية المتعارف عليها في علم الإعلام والاتصال الجماهيري، بل المطلوب هو التضليل والتشويش وحقن الجمهور المتلقى بجرعات عالية من الغضب، أو التاثير عليه بكم من المعلومات المتناقضة التى تفقده الثقة بكل شيء من حوله وهذا هو مكمن خطورتها، فحين يضيع الناس بين الأخبار الحقيقية والمفبركة، يصبح التحكم بالمزاج العام أسهل بكثير.
تُصنع «السلوبغندا» عادة بطريقة مدروسة، يبدأ الأمر بتحديد خصم سياسي أو قضية ساخنة، ثم يتم تحليل الجمهور: ماذا يخيفه؟ ما الذي يثير غضبه؟ ما نوع الرسائل التي يشاركها بسرعة؟ بعد ذلك تبدأ ماكينة الإنتاج.. صور مفبركة، تصريحات مزيفة، عناوين صادمة، مقاطع ساخرة، استطلاعات مضللة، ومواد قصيرة مصممة للانتشار السريع، ثم تتكفل الخوارزميات بإكمال المهمة.
وقد استخدم هذا الأسلوب عدد من أبرز السياسيين في العالم خلال السنوات الأخيرة، ويأتي في مقدمتهم الرئيس دونالد ترمب الذي اعتمد بصورة لافتة على الإغراق اليومي لمنصات التواصل بالتصريحات الصادمة، والرسائل القصيرة، والهجوم المستمر على الخصوم والإعلام، بما يبقيه دائمًا في صدارة المشهد الإعلامي من ناحية ومن ناحية ثانية إضاعة الحقيقة، فهدفه وهذا عمل يومي لترمب ليس الهدف منه إقناع الجمهور بل السيطرة على النقاش أو احتلال مساحة واسعة فيه ومنه، وترمب ليس استثناء فهناك جايير بولسونارو، الرئيس السابق للبرازيل الذي استخدم الحملات الرقمية بكثافة، وناريندرا مودي رئيس وزراء الهند، وبنيامين نتنياهو من خلال الجيوش الإلكترونية المنظمة والحضور الرقمي الواسع، كما استخدمت «السلوبغندا» في تجارب سياسية أوروبية اعتمدت الشعبوية الرقمية وصناعة الجدل أكثر من الخطاب التقليدي.
في عالم «السلوبغندا» لا يقتصر الأمر على أفراد، بل تلجأ إليه حكومات، وأحزاب، وجماعات ضغط، وحتى حركات متطرفة، ففي أوقات الحروب والانتخابات والأزمات الاقتصادية، تصبح «السلوبغندا» سلاحًا جاهزًا للاستعمال، لأنها الأسرع والأرخص والأكثر قدرة على إثارة الجماهير.
أما الأخطر اليوم فهو دخول الذكاء الاصطناعي على الخط، حيث بات قادرا على إنتاج فيديو لشخصية عامة تقول ما لم تقله، أو صورة لحدث لم يقع، أو آلاف المقالات والمنشورات خلال ساعات، وهذا يعني أن المعركة لم تعد فقط بين حقيقة وكذبة، بل بين الإنسان وسيل لا ينتهي من المحتوى المصنوع.
مستقبل «السلوبغندا» يبدو واسعًا، ما دامت المنصات تكافئ الإثارة، وما دام الكثير من الجمهور المتلقى يشارك ما يتلقاه قبل أن يقرأه أو يتحقق منه، لكن في المقابل هناك وعي متزايد، ومنصات تحقق، وأدوات لكشف التزييف، وتشريعات بدأت تظهر في أكثر من دولة لمحاصرة هذا النوع الخطير من الدعاية المؤثرة.
«السلوبغندا» ليست مجرد شائعة جديدة، بل هي نظام تأثير متكامل يقوم على الإغراق والتشويش والانفعال، وإذا كانت حروب الأمس تُخاض بالدبابات والطائرات، فإن جزءًا كبيرًا من حروب اليوم يُخاض بالهواتف والخوارزميات وأفلام الكارتون وغيرها، ومن لا يفهم هذه الظاهرة، قد يجد نفسه ضحية لها دون أن يدري.

