لندن : محمد الطّورة
المشاريع الوطنية بين مطرقة الحسد وسندان النفوذ
ليست كل المعارك التي تواجه المشاريع الوطنية تأتي من الخارج، فبعضها ينشأ للأسف من الداخل، حين يقرر أفراد أو مؤسسات أن نجاح الآخرين يشكل تهديدًا لمصالحهم أو نفوذهم أو احتكارهم للمشهد. وعندها لا يعود الهدف خدمة الوطن، بل السيطرة على من يتحدث باسمه ومن يُسمح له بالنجاح.
إن من أخطر الأمراض التي تصيب أي مجتمع أو مؤسسة أن تتحول الوشاية إلى وسيلة للتنافس، وأن تصبح البلاغات الكيدية والتقارير الموجهة والتحريض الإعلامي أدوات تستخدم لإسكات الأصوات الناجحة أو الحد من تأثير المبادرات الوطنية المستقلة. فبدلًا من منافسة النجاح بالنجاح، يتم اللجوء إلى محاربته بالتشويه والتضييق والإقصاء.
فمن الظواهر المؤسفة التي قد تظهر في بعض البيئات الإدارية والإعلامية أن تتحول بعض الجهات أو الأفراد والمؤسسات من دور الدعم والحماية إلى دور العرقلة والتضييق على المبادرات الوطنية الجادة، خصوصًا المشاريع الإعلامية والثقافية التي تسعى إلى خدمة الوطن وتعزيز صورته وإبراز منجزاته.
فبدل أن يكون معيار الحكم على أي مشروع هو مدى فائدته للمجتمع ومساهمته في تحقيق المصلحة العامة، يصبح المعيار أحيانًا هو الجهة التي تقف خلفه أو الأشخاص الذين أطلقوه أو حجم التأثير الذي بدأ يحققه. وعندما يحدث ذلك، تتحول المنافسة المشروعة إلى محاولات إقصاء، ويتحول الاختلاف في الرأي إلى حملات تشويه منظمة تستهدف إضعاف المشروع أو الحد من انتشاره.
ومن أخطر وسائل العرقلة التي قد تُستخدم في مثل هذه الحالات تحريض بعض الأقلام أو المنصات الإعلامية على مهاجمة المشاريع الوطنية الناجحة، ليس من خلال نقد مهني موضوعي يهدف إلى التطوير، وإنما عبر التشكيك في النوايا أو التقليل من قيمة الإنجازات أو إثارة الشبهات دون أدلة واضحة. كما قد تتخذ هذه الممارسات أشكالًا أخرى، مثل البلاغات الكيدية، أو الشكاوى غير المستندة إلى وقائع حقيقية، أو محاولات الضغط لحجب المحتوى أو تقييد وصوله إلى الجمهور.
ولا يقتصر ضرر هذه الممارسات على أصحاب المشاريع المستهدفة، بل يمتد أثره إلى الوطن نفسه. فعندما يُحارب النجاح، وتتراجع المبادرات الجادة تحت وطأة الضغوط والتشويه، يخسر المجتمع أصواتًا وجهودًا كان يمكن أن تسهم في البناء والتنمية ونشر الوعي وتعزيز الانتماء الوطني.
إن النقد حق مشروع، بل إنه ضرورة لأي عمل عام، لكنه يختلف جذريًا عن التشهير والتحريض والتعطيل المتعمد. فالنقد البنّاء يقدم الملاحظات والحلول، أما حملات الاستهداف فغايتها غالبًا إقصاء المنافسين أو احتكار المشهد وتصفية الحسابات أو تحقيق مكاسب شخصية على حساب المصلحة الوطنية.
إن الأوطان تتقدم حين تُفتح الأبواب أمام الأفكار والمبادرات المخلصة، لا حين تُغلق أمامها بسبب الحسابات الضيقة أو الصراعات الشخصية. والمشاريع التي تخدم الوطن يجب أن تُقيّم بميزان الأثر والنتائج والالتزام بالقانون، لا بميزان الأهواء أو المصالح أو الرغبة في احتكار الصوت والمشهد.
إن الوطنية الحقيقية لا تظهر في كثرة الادعاءات، ولا في احتكار الحديث باسم الوطن، بل في القدرة على دعم كل جهد مخلص يخدمه، مهما كان صاحبه. أما الذين يضيقون بالمبادرات الناجحة ويلاحقونها بالاتهامات والوشايات من خلال مناصبهم ومواقعهم والتعسف في إستعمال السلطة في بعض المؤسسات، فإنهم وإن ظنوا أنهم يحققون مكاسب مؤقتة، فإنهم يساهمون في إضعاف البيئة التي يحتاجها الوطن للنمو والتقدم والازدهار.
فالوطن لا يحتاج إلى من يرفع شعارات الولاء بقدر ما يحتاج إلى من يؤمن بأن نجاح أي مشروع نافع هو نجاح للوطن كله، وأن دعم المبادرات الصادقة وتشجيعها أكثر نفعًا من محاربتها أو التضييق عليها. وعندما يصبح الإنصاف هو القاعدة، والكفاءة هي المعيار، والمصلحة العامة هي الغاية، فإن الوطن يكون هو الرابح الأكبر.
ختاماً يصبح السؤال مشروعًا: من المستفيد من إضعاف المبادرات الوطنية؟ ومن الرابح من إسكات المشاريع التي تخدم المجتمع؟ وكيف يمكن أن تتحول الجهود التي يفترض أن تُسخّر لدعم التنمية والوعي إلى أدوات لمحاصرة من يعملون بإخلاص واجتهاد؟

