ليس في إربد شارعٌ يُشبه شارع الرشيد…
بل في شارع الرشيد، ما يُشبه إربد.
هناك، شرقًا… حيث تمشي الأزقّة على مهلٍ، كأنها تخشى أن توقظ ما نام في صدورنا، تبدأ الحكاية. ليست حكاية مكانٍ فحسب، بل سيرة مدينةٍ كتبت نفسها على وجوه ناسها، ثم خبّأت النسخة الأصلية في الحجارة.
في ذلك الصباح، كان “مروان” يعبر الشارع كمن يعبر عمرًا كاملًا. لم يكن يسير وحده، رغم خلو الطريق… كانت معه نسخٌ قديمة منه، تمشي بمحاذاته، تتعثّر أحيانًا، وتبتسم أحيانًا أخرى، كأنها تقول له: “لم نغادرك… أنت من غادرتنا.”
شرق شارع الرشيد في إربد…
ليست جهةً تُشير إليها الخرائط، بل حالةٌ تُصيب القلب حين يتذكّر أكثر مما يحتمل.
البيوت هناك لا تُغلق أبوابها تمامًا… تترك فرجةً صغيرة، لعلّ ذكرى تتسلّل، أو حنينًا يعود متأخرًا. الجدران متعبة، نعم… لكنها ليست منهكة، فهي ما زالت تحمل أصواتًا، همساتٍ، وضحكاتٍ عالقة، كأنها تؤدّي دورها الأخير في حفظ ما تبقّى منّا.
مرّ مروان بجانب دكّان أبي حامد. لم يعد أبو حامد موجودًا، لكن الكرسي الخشبي ما زال في مكانه، كأنه ينتظر جسدًا يعرفه. على الرفوف، أشياء قليلة… لكنها كافية لتقول إن الحياة لم تنتهِ، بل خفّت فقط.
المكان لا يشيخ حين نغادره…
بل حين نتوقّف عن العودة إليه.
في الزقاق الضيّق، الذي كان يومًا ملعبًا، وقف مروان طويلًا. لم يرَ أطفالًا، لكن الضجيج كان حاضرًا. ضحكاتٌ، صراخٌ، خطواتٌ صغيرة تركض بلا خوف. حاول أن يلتقط وجهًا، اسمًا، لكنه أدرك أن الذاكرة لا تعطيك التفاصيل… تعطيك الإحساس فقط.
وفجأة، سمع صوته… طفلًا، ينادي صديقًا لم يعد يعرف أين انتهى به الطريق.
ارتبك، وكأن الشارع كشف سرّه:
نحن لا نكبر… نحن فقط نُجيد التمثيل.
وتستهويني لعبة بنات الحي…
“شبرة أمرة شمس نجوم”…
تلك اللعبة التي كانت تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها في حقيقتها كانت طقسًا خفيًا لا يراه الكبار، نصنع فيه عالمنا الصغير على عجل، ونصدّق أنه العالم كله. كانت اهتزازات خجولة وبريئة، كأن الأرض نفسها كانت تبتسم لنا دون أن تُفصح عن سرّها.
لم أكن في سنّ الصبا فقط… بل كنت أشعر بما هو أبعد من ذلك، كأن الزمن يتقدّم بي خطوةً إلى الوراء لا إلى الأمام. في تلك اللحظات، لم أكن طفلًا تمامًا، ولا رجلًا بعد… كنت شيئًا ثالثًا، عالقًا بين الدهشة الأولى وبداية الفهم.
وكانت طقوسنا الصغيرة، من تصفيف الشعر، وإعادة ترتيب الضحكات أمام مرآةٍ متواضعة، تحمل معنى لا نعرفه حينها. نضع القليل من “بريل كريم” بالحنجور الأحمر، فنشعر أن العالم صار أهدأ، وأننا أكثر أناقةً من خوفنا، وأكثر ثباتًا من أسئلتنا الأولى. كنا نلمّع أنفسنا بالحلم، لا بالمظهر… ونمشي كأننا نجرّ وراءنا مدينةً كاملة من البراءة.
وعند الزاوية، حيث كانت “أم خليل” تقف، كان الغياب واضحًا، لكنه لم يكن قاسيًا. ظلّها ما زال هناك، يبيع الخبز، يوزّع دفئًا لا يُشترى. بعض الأماكن لا تحتاج إلى حضورٍ كامل… يكفي أن يبقى منها ما يُشبهها.
جلس مروان على الرصيف، وأشعل سيجارةً لم يُكملها. كان ينظر إلى الوجوه القليلة التي تمرّ، فلا يرى ملامحها… بل يرى قصصها. في إربد العتيقة، الناس لا يمشون وحدهم… تمشي معهم حكاياتهم، أثقل من خطواتهم.
ثم مضى قليلًا… حتى وصل إلى ما تبقّى من “سينما الجميل”.
لم تكن كما كانت، لكنّها لم تختفِ تمامًا. واجهتها الصامتة كانت تشبه شيخًا يحتفظ بذاكرةٍ لا يطلب أحدٌ سماعها. وقف مروان أمامها، كمن يقف أمام مرآةٍ قديمة.
هناك… في تلك القاعة المعتمة، كانت تُعرض أحلامهم.
“الأرض”… حين تعلّموا أن التمسّك ليس عنادًا، بل كرامة.
“الكرنك”… حين فهموا أن الصمت أحيانًا خيانة.
“الرصاصة ما تزال في جيبي”… حين آمنوا أن الهزيمة ليست نهاية الحكاية.
لم تكن أفلامًا فقط…
كانت دروسًا تُقال دون أن تُشرح، وتُحفر في الداخل دون استئذان.
هناك، في المقاعد الخشبية، تشكّلت ملامحهم الأولى…
تعلّموا كيف يحبّون، كيف يغضبون، كيف يحلمون بوطنٍ أكبر من جدرانهم.
كانت سينما الجميل…
تُربّيهم بصمت.
عاد مروان إلى الشارع، لكنّه لم يعد كما كان. شعر أنّ المكان لا يكتفي بأن يُذكّرك… بل يُعيد تشكيلك، قطعةً قطعة.
في إربد العتيقة،
المكان لا يُمثّلنا… بل ينوب عنّا.
يتذكّر حين ننسى،
ويبكي حين نضحك بلا سبب،
ويحتفظ بنسخنا الأولى،
كي لا نضيع تمامًا في زحام ما صرنا إليه.
حين همّ بالمغادرة، لم يلتفت.
لم يكن ذلك نسيانًا… بل اتفاقًا صامتًا بينه وبين الشارع.
فبعض الأماكن، إن التفتَّ إليها كثيرًا،
تخشى أن تُدرك أنك لم تعد كما كنت…
فتُغلق بابها في وجهك.
ترك مروان المكان كما هو…
كي يبقى كما يعرفه.
وفي داخله، كان صوتٌ خافت يقول:
“لا تتعب في البحث عن نفسك…
نحن هنا… شرق شارع الرشيد،
حيث تركتنا يومًا…
وما زلنا ننتظر.
شارع الرشيد، شرقاً… إربد العتيقة تتحدّث بالنيابة عنّا
عدنان نصّار
3

