العموم نيوز – سلوك مشترك… وحكم انتقائي حين نُدين غيرنا بما نمارسه جميعًا… ازدواجية النقد في أبسط صورها
يؤلمني ويستفز وجداني، وأنا المواطن الذي لا يحمل لبلده إلا كل محبة وولاء، ما أراه وأسمعه من ضجيجٍ متصاعد في وسائل التواصل الاجتماعي، وما يُبث في العلن ويُهمس به في الخفاء من انتقادات وتساؤلات تُصوِّب سهامها نحو شخص بعينه، في أمور لا تعدو كونها سلوكًا شخصيًا مألوفًا يمارسه الجميع دون أن يُلتفت إليه أو يُثار حوله هذا القدر من الضجيج.
إن ما نشهده ليس مجرد اختلاف في الرأي، بل هو انحدار في بوصلة الخطاب، حيث يُضخَّم الهامشي ويُهمَّش الجوهري، وتُستبدل الأولويات بما لا يستحق الوقوف عنده. ومن هذا المنطلق، أكتب كلماتي هذه بصدق وحرص، علّنا نرتقي بوعينا، ونسمو بخطابنا، ونتجاوز هذا الانزلاق غير المبرر، لنعود إلى مناقشة ما هو أولى وأجدر بالاهتمام.
في كل مرة تعصف فيها أزمة مالية ببلد ما، يظهر مشهد مألوف حدّ الابتذال: ضجيج إعلامي، ومنشورات متسارعة، وتحليلات سطحية تبحث عن “كبش فداء” سهل. لا عن الأسباب الحقيقية، ولا عن مكامن الخلل العميقة، بل عن صورة تُلتقط، أو فستان يُرتدى، أو زجاجة عطر تُمسك… وكأن عجز الموازنات يُختزل في تفاصيل شخصية هامشية.
هذه ليست قراءة اقتصادية، بل ممارسة صريحة لـ الكيل بمكيالين، بل وأكثر من ذلك: هي محاولة واعية أو غير واعية لـ الاصطياد في الماء العكر وتشويه الصورة العامة، وصرف الأنظار عن جوهر المشكلة.
أي منطق هذا الذي يجعل من مظهر زوجة مسؤول قضية رأي عام، بينما يتم تجاهل ملفات أكثر خطورة وتأثيرًا؟
أي عقل يقبل أن يُربط العجز المالي—بما يحمله من تعقيدات بنيوية تتعلق بالسياسات، والإنفاق العام، وسوء الإدارة—بفستان أو حقيبة أو عطر؟
المفارقة المؤلمة أن نفس المجتمع الذي يهاجم هذا “البذخ الظاهري”، يعيش يوميًا تحت ضغط استهلاكي لا يقل عنه. نحن، عامة الناس، أصحاب الدخول المحدودة، كم مرة اضطررنا إلى مجاراة متطلبات اجتماعية تفوق قدرتنا؟
كم من مرة تم شراء ملابس جديدة لمناسبة واحدة؟
كم مرة تم استبدال هاتف لا لشيء إلا لأنه “الأحدث”؟
بل كم من مرة تم اللجوء إلى الدين فقط للحفاظ على صورة اجتماعية مقبولة؟
إذا كان هذا يحدث على مستوى الأفراد، فهل يصبح فجأة جريمة أخلاقية حين يتعلق الأمر بشخصية عامة؟ أم أن المشكلة ليست في الفعل ذاته، بل في هوية الفاعل؟
هنا تكمن الإشكالية: نحن لا نحاكم السلوك، بل نحاكم الأشخاص بانتقائية. نغض الطرف عن هدر واضح في مؤسسات، عن قرارات مالية مرتجلة، عن تبديل مستمر للأثاث والمركبات، عن سفر لا يخضع للمساءلة… ثم نُشهر سيوف النقد حين تظهر صورة لا تعجبنا.
إن تحويل النقاش من جوهر الأزمة إلى قشورها ليس بريئًا. هو انحراف متعمد عن المنطق، وهروب من مواجهة الأسئلة الحقيقية:
أين تذهب الموارد؟
كيف تُدار النفقات؟
من يُحاسَب على القرارات الاقتصادية؟
بدلًا من ذلك، يتم تسطيح القضية إلى مستوى مثير للشفقة: فستان يُتهم، وعطر يُدان، وصورة تُحمَّل ما لا تحتمل.
النتيجة؟
رأي عام مشوَّش، ووعي مُضلَّل، ونقاش عقيم لا يُنتج حلًا ولا يُقارب الحقيقة.
إن النقد الحقيقي لا يكون بالصراخ، ولا بالتركيز على الهوامش، بل بتشخيص دقيق وعادل للأسباب. أما ما نشهده في مثل هذه الحالات، فليس سوى ضجيج… يخدم شيئًا واحدًا: إبعادنا عن رؤية المشكلة كما هي.
وفي الختام، تبقى الحقيقة جلية لمن أراد أن يُبصرها:
الأزمات الاقتصادية لا تُصنع في خزائن الملابس، بل في مراكز القرار.
لندن: محمد الطّورة

