في الأزقة الضيقة، حيث البيوت الصغيرة تتكئ على بعضها كأنها تستمدّ الصبر من جدرانٍ تعبت من الانتظار، يبدأ عيد الأضحى بالاقتراب… لكنّه هذه المرّة لا يطرق الأبواب بالفرح ذاته، بل يأتي محمّلًا بأسئلةٍ ثقيلة، وبقلوبٍ أنهكها الحساب الطويل بين الراتب والفاتورة، وبين الحاجة والقدرة، وبين الأب الذي يُخفي عجزه خلف ابتسامةٍ باهتة، والأم التي تتقن فنّ تأجيل الألم حتى لا يراه الأطفال.
في الأردن، لا يحتاج الفقر إلى تعريف. يكفي أن تدخل بيتًا لم تُشعل مدفأته جيدًا في الشتاء الماضي، ولم يمتلئ مطبخه كما ينبغي منذ أشهر، لتفهم أنّ هناك مواطنين يعيشون على حافة الاحتمال. مواطنون لا يشتكون كثيرًا، ليس لأنهم بخير، بل لأن الشكوى أصبحت رفاهية في زمنٍ صار فيه الصبر لغةً يومية.
وعيد الأضحى، الذي اعتاد أن يكون مناسبةً للبهجة والتكافل، يبدو هذا العام أكثر قسوة على كثيرين. الأسعار تسبق الناس بخطوات، والأمنيات تُؤجَّل بصمت، وربّ الأسرة يقف أمام واجهات الأسواق وكأنّه يقرأ قائمة طويلة من الأحلام المستحيلة. أضحية العيد التي كانت يومًا رمزًا للفرح والعطاء، تحوّلت عند كثيرين إلى سؤالٍ مؤلم: هل نستطيع؟ أم نكتفي بأن نشرح للصغار أن الظروف لا تُشبه الأعياد الماضية؟
حتى الأضحيات، لم تعد كما كانت.
ففي بيوتٍ كثيرة، صار الحديث عنها يُدار بلغة الأرقام لا الأمنيات، وحسابات القدرة لا رغبة الشعيرة. هناك من يجلس طويلًا أمام ورقةٍ صغيرة، يُقسّم الراتب المنهك بين إيجارٍ متأخر، وفاتورة كهرباء، ودينٍ قديم، ثم يتنهّد بصمت حين يصل إلى خانة الأضحية، وكأنّه يقف أمام امتحانٍ للكرامة أكثر منه استحقاقًا دينيًا. وحتى «عيديات العَنايا» ــ تلك العادة الأردنية الدافئة التي كانت تملأ البيوت ضحكًا وتُشعر الأطفال أن العيد جاء فعلًا ــ صار لها حسابٌ مختلف. فالعيدية التي كانت تُعطى بمحبةٍ وعفوية، أصبحت عند كثيرين بندًا إضافيًا في دفتر القلق، يُحسب له ألف حساب، لا لأن الناس بخلاء، بل لأن الضيق صار أثقل من المجاملة، وأقسى من قدرة القلوب على إخفاء الوجع.
في بعض البيوت الأردنية، أصبح شراء الملابس الجديدة ترفًا مؤجلًا، وصار الحديث عن العيد يمرّ بحذر، حتى لا تلمع في عيون الأطفال رغبةٌ يعجز الكبار عن تحقيقها. هناك آباء يهربون من نظرات أبنائهم قبل العيد بأيام، ليس خوفًا من السؤال، بل خوفًا من الإجابة.
ومع ذلك، يبقى الأردني ذلك الإنسان العنيد في محبته للحياة. يخبّئ وجعه بابتسامة، ويصنع من القليل طمأنينة، ويُقنع أبناءه أن العيد ليس بثوبٍ جديد فقط، ولا بمائدةٍ ممتلئة، بل بالقرب، بالمحبة، وبأن تبقى العائلة معًا رغم الضيق.
لكن الحقيقة التي لا يجوز تجميلها، أن الفقر حين يطرق باب المواطن طويلًا، لا يسرق المال فقط، بل يسرق الإحساس بالأمان، ويُرهق الكرامة، ويترك في القلب خوفًا دائمًا من الغد. وحين يصبح ربّ الأسرة عاجزًا عن تأمين أبسط متطلبات مناسبة دينية واجتماعية بحجم عيد الأضحى، فإن الأمر لم يعد مجرد أزمة معيشية عابرة، بل سؤالًا اجتماعيًا وإنسانيًا يستحق أن يُسمع جيدًا.
ليس المطلوب خطابًا عاطفيًا يواسي الناس لساعات، ولا وعودًا موسمية تُقال كلما اقترب عيد أو شتاء. المطلوب أن يشعر المواطن أن هناك من يرى وجعه فعلًا، من يدرك أن الأرقام الاقتصادية لا تعكس دائمًا صورة البيوت، وأن خلف كل فاتورة كهرباء، وكل إيجارٍ متأخر، وكل قائمة ديون صغيرة، حكاية إنسان يحاول فقط أن يحفظ ماء وجهه أمام أسرته.
ولأن العيد لا يطرق أبواب الأحياء وحدهم، فإن للغائبين حصتهم الثقيلة من الوجع أيضًا.
فثمة وجوهٌ أردنية تستقبل صباح العيد بقلبٍ منقوص، تضع القهوة على الطاولة ثم تتذكّر أن مقعدًا اعتاد الضحكة صار فارغًا، وأن صوتًا كان يملأ البيت دعاءً ومحبّة أصبح راقدًا تحت التراب. كم من أمٍّ ستخفي دمعتها كي لا تُفسد فرحة الأبناء، وكم من أبٍ سيقف صامتًا أمام صورةٍ قديمة، وكم من عائلةٍ سيأخذها الحنين باكرًا إلى المقابر، حيث يرقد الأحبة الذين كانوا يمنحون العيد معناه الدافئ. ففي مواسم الفرح، يصبح الغياب أكثر حضورًا، وتبدو الوجوه مرسومةً بحزنٍ خافت، لا تراه العيون سريعًا، لكنه يسكن القلوب مثل صلاةٍ طويلة لا تنتهي.
العيد على الأبواب… نعم. لكن ثمة قلوبًا أردنية تقف خلف الأبواب ذاتها، تُخفي ارتباكها، وتدعو الله سرًا أن لا ينكسر خاطر طفل، ولا تنحني كرامة أب، ولا تضطر أمّ لأن تُخيط الحزن بابتسامةٍ جديدة. وأن يهب الله بعض السكينة لأولئك الذين يزورون قبور أحبّتهم حاملين الفاتحة والحنين، أكثر مما يحملون الكلمات.
فالأوطان لا تُقاس فقط بما تبنيه من طرقٍ وأرقام، بل بما تحميه من كرامة الناس… خصوصًا حين يقترب العيد، ويصبح الفرح حقًا لا أمنية.

