لندن: محمد الطّورة
في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث وتتعاقب فيه الأجيال، تبقى بعض الأسماء أكبر من مجرد أشخاص مرّوا في الحياة، لأنها ارتبطت بالوطن والعرش والواجب، فصارت جزءاً من ذاكرة الدولة وهيبتها، ومن بين هذه القامات الوطنية التي نفخر بها عشيرتي الطورة الكرام في الشوبك ، يبرز اسم العم العقيد المتقاعد عبدالله علي صباح الطورة “أبو طلال”، وابن العم الفريق أول فيصل جبريل الطورة “أبو فادي”، وابن العم القاضي الدكتور عبدالقادر إسماعيل الطورة “أبو جلال”، رجالٌ حملوا رسالة الوطن بإخلاص، وتركوا بصماتٍ ستبقى شاهدة على عطاءٍ لا ينضب.
لقد كان العم أبو طلال مثالاً للرجل العسكري المنضبط الذي أفنى أكثر من أربعة عقود من عمره في خدمة القوات المسلحة والأمن العام، متنقلاً بين مواقع المسؤولية بكل كفاءة واقتدار، حتى شغل مواقع مهمة منها قائد الشرطة الخاصة وقائد انضباط الشرطة، فكان عنواناً للهيبة والانضباط والالتزام، ورمزاً من رموز الوفاء للمؤسسة العسكرية والأمنية التي أحبها وخدمها بشرف. عرفه الجميع رجلاً صلباً في الحق، متواضعاً في تعامله، كبيراً في حضوره، يحمل أخلاق العسكري الأردني الأصيل الذي يضع الوطن فوق كل اعتبار.
أما الفريق أول فيصل جبريل الطورة “أبو فادي”، فقد كان واحداً من أبرز رجالات الدولة الذين حملوا مسؤوليات أمنية دقيقة في أصعب المراحل، حيث تولى إدارة دائرة المخابرات العامة، ذلك الجهاز الوطني الذي يشكل درع الوطن وسياجه الحامي. وقد عُرف أبو فادي بالحكمة والحنكة والولاء المطلق للقيادة الهاشمية، فكان مثالاً للمسؤول الوطني الذي يعمل بصمت الرجال الكبار، واضعاً أمن الأردن واستقراره فوق كل شيء. لقد جسّد في مسيرته معنى الإخلاص الحقيقي، وبقي اسمه مرتبطاً بالثقة والكفاءة والوفاء.
وفي ميدان العدالة والعلم، يبرز اسم القاضي الدكتور عبدالقادر إسماعيل الطورة “أبو جلال”، الذي جمع بين هيبة القضاء ورسالة الأكاديمي، فكان قاضياً مشهوداً له بالنزاهة والعلم في مختلف درجات السلك القضائي، كما تولى عمادة كليات الحقوق في الجامعات الأردنية، وأسهم في إعداد أجيال من القانونيين والقضاة، قبل أن يتوج مسيرته عضواً في المحكمة الدستورية، ذلك الموقع الذي لا يصل إليه إلا أصحاب الفكر العميق والخبرة الرفيعة. لقد كان أبو جلال مدرسةً في العدالة والأخلاق والعلم، وترك إرثاً فكرياً ووطنياً يعتز به كل من عرفه وتتلمذ على يديه.
وفي هذه الأيام المباركة التي ننتظر فيها الاحتفال بالمناسبات الدينية والوطنية، لا يمكن أن تمر تلك المناسبات دون أن نستذكر هذه الأسماء التي أصبحت جزءاً من وجدان الناس وذاكرة الوطن. أسماءٌ يكفي أن تُرى صور أصحابها حتى يعرف الجميع أننا نتحدث عن رجالٍ صنعوا المجد بصمت، وخدموا الأردن بإخلاصٍ وتجرد، دون ضجيج أو ادعاء.
إنها سنة الحياة… فالموت هو الحقيقة التي لا مفر منها، يغيب الجسد لكن تبقى السيرة الطيبة، ويبقى الأثر، وتبقى الصور شاهدةً على رجالٍ كانت لهم مواقف وإنجازات ومكانة في قلوب الناس. رحم الله العم أبا طلال، ورحم الأخ أبا جلال، ورحم الأخ أبا فادي، وجزاهم عن الوطن والعرش خير الجزاء، فقد كانوا رجال دولةٍ بحق، وقامات وطنية ستظل حاضرة في الذاكرة الأردنية، ما بقي الوفاء قيمةً يتوارثها الأحرار.

