بقلم: محمد الطّورة
الوطن لا يحتمل فوضى الاتهامات بين مكافحة الفساد وحماية هيبة الدولة
لقد بات يؤلمني، كمواطن أردني يؤمن بوطنه ويفتخر بقيادته ومؤسساته، ذلك الكمّ من التصريحات والاتهامات التي تتناقلها بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي على ألسنة بعض النواب ورجالات الدولة، والتي تُوجَّه فيها تهم الفساد إلى وزراء ومؤسسات وطنية دون أن تُسند بأدلة واضحة أو وثائق حاسمة تثبت صحة ما يُقال. فالكلمة حين تصدر من شخصية عامة لا تُعد رأياً عابراً، بل موقفاً يهز ثقة الناس بدولتهم، ويترك أثراً عميقاً على صورة الأردن وهيبته في الداخل والخارج.
وما يثير القلق أكثر، أن تتحول قضايا بهذه الخطورة إلى مادة للتداول الإعلامي والتجاذب الشعبي قبل أن تُعرض على الجهات المختصة، وكأن بعض المنابر أصبحت بديلاً عن القانون، وبعض التصريحات أحكاماً تصدر بحق مؤسسات الدولة دون تحقيق أو إثبات. إن مكافحة الفساد واجب وطني لا يختلف عليه اثنان، بل هي مسؤولية أخلاقية وقانونية تقع على عاتق الجميع، لكن الفارق كبير بين كشف الفساد بالأدلة والوثائق، وبين إطلاق الاتهامات على الهواء دون بينة أو مسؤولية.
إن من يمتلك معلومات حقيقية أو وثائق تثبت وجود فساد، فإن الواجب الوطني والأخلاقي يفرض عليه أن يتجه بها مباشرة إلى الجهات الرقابية والقضائية المختصة، لا أن يجعل منها مادة إعلامية مفتوحة تسبق التحقيق والحقيقة معاً. فالدولة لا تُدار بمنطق الإشاعة، ولا تُبنى الثقة فيها عبر التصريحات الانفعالية أو المزايدات الإعلامية، لأن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة ليس وجود الفساد فقط، بل انهيار ثقة المواطن بمؤسساته نتيجة اتهامات متكررة لا يُعرف أين تبدأ الحقيقة فيها وأين ينتهي التضليل.
وفي المقابل، إذا كان بعض من يطلقون هذه التصريحات يشعرون بأن الأبواب الرسمية مغلقة أمامهم، وأن الجهات المختصة لا تتعامل بجدية مع ما يمتلكونه من معلومات، فإن المسؤولية هنا تقع أيضاً على المؤسسات المعنية، التي يجب أن تعزز ثقة الناس بها، وأن تفتح قنوات واضحة وآمنة لاستقبال أي معلومات أو ملفات تتعلق بالفساد، وأن تتعامل معها بشفافية وحزم وسرعة، لأن الدولة القوية لا تخشى الحقيقة، بل تبحث عنها وتحاصر الفساد أينما وجد.
أما إذا كانت بعض هذه التصريحات تُطلق بدافع حب الظهور، أو تصفية الحسابات، أو صناعة البطولات الإعلامية والشعبوية، فإن الأمر يصبح أكثر خطورة، لأن الاتهام دون دليل لا يسيء للأشخاص وحدهم، بل يسيء للوطن بأكمله، ويمنح المتربصين بالأردن فرصة للطعن بمؤسساته والتشكيك بكل إنجازاته. فليس من الوطنية أن نُضعف ثقة المواطن بدولته، وليس من المسؤولية أن تتحول منصات الإعلام والتواصل إلى ساحات مفتوحة للتشهير وإصدار الأحكام بعيداً عن القانون.
ومن هنا، فإن حماية الوطن تقتضي موقفاً واضحاً وحاسماً يقوم على مبدأين لا ينفصلان: الأول، محاربة الفساد بلا تردد أو تهاون ومحاسبة كل من تثبت إدانته مهما كان موقعه أو منصبه. والثاني، حماية هيبة الدولة ومؤسساتها من الاتهامات العشوائية التي تُطلق دون دليل أو إثبات.
إن المطلوب اليوم ليس تكميم الأفواه، ولا حماية الفاسدين، بل ترسيخ ثقافة المسؤولية الوطنية في الحديث عن قضايا تمس سمعة الدولة وثقة الناس بها. فالكلمة أمانة، ومن يوجه اتهاماً للرأي العام يجب أن يكون مستعداً لتحمل مسؤوليته القانونية والأخلاقية كاملة، عبر تقديم ما يثبت أقواله أمام القضاء والجهات المختصة، لا الاكتفاء بإثارة الجدل عبر الشاشات والمنصات.
الأردن، الذي واجه عبر تاريخه تحديات جساماً، يستحق منا جميعاً أن نكون على قدر المسؤولية في الدفاع عنه، وفي حماية مؤسساته، وفي محاربة الفساد ضمن إطار القانون والعدالة، بعيداً عن الفوضى والمزايدات. فالأوطان لا تُحمى بالصمت عن الخطأ، لكنها أيضاً لا تُحمى بإغراق الناس بالاتهامات غير المثبتة.
سيبقى الأردن أكبر من الإشاعات، وأقوى من حملات التشكيك، لأن قوة الدولة لا تقوم فقط على محاسبة الفاسدين، بل أيضاً على حماية الحقيقة من العبث، وحماية الوطن من الفوضى التي قد تتخفى أحياناً تحت شعارات الإصلاح.

