من إربد انطلقت شمالاً، لا أحمل خريطة طريق، ولا أبحث عن إحداثيات. كنت أمضي خلف ذاكرة تعرف الطريق أكثر مني، وتقودني إلى أماكن لم أغادرها تماماً، وإن غادرتها منذ سنوات بعيدة.
مسيري لا يحتاج إلى «لوكيشن»؛ فالقلب دليلك، وهو لا يخطئ الإحداثيات حين يتعلق الأمر بأمكنة سكنت الروح. القلب يعرف الطريق إلى طفولتك، إلى بيتك الأول، إلى شجرة كنت تستظل بها، وإلى ماء حملته أيدي الأمهات.
ألقيت على بلدات الشمال تحية ما بعد الظهيرة؛ من حريما إلى السيلة والقصفة، فالخريبة. كنت أعبرها، لكنها كانت تعبرني أيضاً، وتفتح في الذاكرة أبواباً ظننت أن السنوات أغلقتها.
على قارعة المثلث، ثمة شجر وماء.
وهناك تحديداً، تعود بي الذاكرة إلى أمي الراحلة فزة الشرع، وإلى أخواتها بدرة وصبحة ونورة وزعيلة وخضرة وأميرة، وهن ينقلن الماء من ذلك المكان إلى بيتنا الطيني العتيق.
كنت وقتها لم أبلغ التاسعة قمرية من عمري، لكن بعض الصور لا تحتاج إلى عمر كي تثبت في الذاكرة. ما زلت أرى أمي وأخواتها، وأكاد أسمع وقع خطواتهن، وأرى الماء محمولاً في طريقه إلى البيت.
كانت تلك حياتنا الأولى؛ حياة لم تكن تعرف كثيراً من تعقيدات المدينة، لكنها كانت تعرف معنى الأرض والماء والبيت.
ورغم مدنيتنا، في السكن في المدينة كنا نشتاق إلى الريف.
نعشق رائحة الطابون، ورائحة الأرض، وحفيف شجر التين، ودالية العنب الملقاة على ألأرض قبل تقنية “المعرشات” ورائحة التين حين ينضج، ونحب تلك التفاصيل الصغيرة التي لم نكن ندرك وقتها أنها ستصبح، بعد عقود، جزءاً من ذاكرتنا الأجمل.
واصلت المسير شمالاً، مروراً ببرشتا واليرموك وقرقوش، حتى وصلت إلى ضفة سد الوحدة.
هناك، يتغير المشهد.
من هنا دمشق على مرمى وردة، شمالاً إلى الشرق؛ مدينة لا تحتاج في الذاكرة إلى طريق كي تصل إليها. وحوران قبالتي غرباً، بسهلها وذاكرتها، فيما كان هواء جبل الشيخ يلسع وجهي، كأن الجبل يرسل من بعيد تحية باردة إلى عابر يقف على تخوم المكان.
تأملت المشهد طويلاً.
الماء أمامي، والجبال في الأفق، والأرض تمتد كأنها لا تعرف الحدود. كل شيء بدا متصلاً: الماء، والهواء، والسهول، والقرى، والذاكرة.
ثم جاء صوت العسكر.
«حدك إلى هنا.. لطفاً، عد إلى الخلف».
امتثلت.
عدت خطوات إلى الوراء، لكنني لم أستطع أن أعيد ذاكرتي إلى الخلف. كانت قد سبقتني إلى أمي، إلى أخواتها، إلى الماء الذي حملنه، وإلى البيت الطيني العتيق.
وقفت أتأمل.
كيف يمكن للماء أن يمضي في مجراه ولا يسأل عن الحدود، بينما يتوقف الإنسان أمام خط رسمته السياسة؟
كيف تصبح الأرض أرضين، والذاكرة ذاكرَتين، والقرية القريبة بعيدة؟
لم أكن أفكر في السياسة كبيانات ومواقف. كنت أفكر في الإنسان؛ في الفلاح الذي يزرع أرضه، وفي الأم التي تحمل الماء، وفي الطفل الذي لا يعرف أن هناك خطوطاً على الخرائط يمكن أن تمنعه من الاقتراب من مكان كان، في خياله، جزءاً من العالم نفسه.
وقبل أن أعود، توقفت مرة أخرى.
كان في داخلي وجع أكبر من اللحظة.
تأملت الماء، والحدود، والجبال، والجهة التي أعرف أنها تحمل في ذاكرتها مدناً وأهلاً وتاريخاً.
ثم قلت بصوت مسموع:
«سايكس وبيكو..»
لم تكن صرخة سياسية بقدر ما كانت صرخة رجل عاد إلى ذاكرته، فوجد أن الخرائط استطاعت أن ترسم حدوداً على الأرض، لكنها لم تستطع أن ترسمها داخل القلب.
عدت أدراجي.
لكنني لم أعد كما جئت.
حملت معي صورة أمي فزة الشرع وأخواتها، وبيتاً طينياً، وشجرة تين، ورائحة طابون، وصوت ماء، وطفلاً لم يبلغ التاسعة بعد، كان يرى العالم واسعاً بلا حواجز.
ربما تكبر المدن، وتتغير الطرق، وتظهر الهواتف التي تحدد لنا موقعنا بدقة، لكن بعض الرحلات لا تحتاج إلى «لوكيشن».
القلب وحده يكفي.
فهو يعرف إحداثيات الأماكن التي أحببناها، ويعرف الطريق إلى الذين رحلوا، ولا يخطئ أبداً حين يبحث عن بيت الطفولة.
هناك، عند سد الوحدة، أدركت أن بعض الحدود لا تقف عند الجغرافيا.
إنها تقف أمام الذاكرة أيضاً.
لكن الذاكرة، لا تعترف بالحواجز ؛
وحدها الذاكرة لا تحتاج إلى تصريح عبور.
(تذييل..أسماء القرى الواردة في النص تقع شمال محافظة اربد في الأردن وقريبة من الحد السوري الشقيق )