لندن: محمد الطّورة
حين يصبح السؤال خطرًا والمحاسبة جرماً
في الدول التي تحترم فكرة الدولة، لا يُنظر إلى المنصب العام بوصفه طريقًا للثراء، بل باعتباره مسؤولية مؤقتة تُقاس بنزاهة صاحبها قبل إنجازاته. غير أن الواقع في كثير من دولنا يشي بعكس ذلك، حيث تحوّل المنصب في نظر البعض إلى فرصة مالية نادرة تولد الثروة، حيث أصبح تضخم ثروات مسؤولين أثناء توليهم مناصبهم أمرًا مألوفًا لا يثير الدهشة، بقدر ما يثير الصمت.
لسنا أمام حالات فردية معزولة، بل أمام نمط متكرر؛ مسؤولون يدخلون مواقع القرار بموارد محدودة، ويغادرونها بإمكانات مالية لا تنسجم مع رواتبهم الرسمية ولا مع أي مسار مهني معروف سابقًا. ورغم وضوح التناقض، يبقى السؤال الأهم غائبًا عن النقاش العام، وكأن طرحه بحد ذاته تجاوز غير مسموح به: من أين لك هذا؟
هذا السؤال، الذي يُعد في دول أخرى إجراءً قانونيًا طبيعيًا، يُنظر إليه محليًا باعتباره تشكيكًا أو إساءة أو تهديدًا “للاستقرار”. والمفارقة أن الاستقرار الحقيقي لا يُقوَّض بالسؤال، بل يتآكل حين تُعلَّق المساءلة، ويُترك المال العام دون تدقيق، وتُغلق الملفات قبل أن تُفتح.
الرئيس الأمريكي Donald Trump حين أشار إلى أن الراتب السياسي لا يصنع ثروة، لم يكن يقدّم موقفًا استثنائيًا، بل عبّر عن منطق قانوني بديهي. هذا المنطق نفسه حاضر نظريًا في تشريعاتنا، لكنه غائب عمليًا حين يتعلّق بكبار المسؤولين، أو بمن هم قريبون من دوائر القرار.
الإشكالية لا تكمن في نقص القوانين، بل في انتقائية تطبيقها. فبينما تُفعَّل أدوات الرقابة بحزم في قضايا صغيرة، تتعطل أو تُهمَل حين تتقاطع مع أسماء نافذة. وهكذا، يتحول القانون من ضمانة للعدالة إلى أداة صامتة، ويُستبدل مبدأ المحاسبة بثقافة “عدم السؤال”.
الأخطر من ذلك أن هذا الواقع يخلق قناعة عامة بأن النزاهة ليست شرطًا للنجاح، وأن القرب من السلطة أهم من الكفاءة، وأن الصمت أكثر أمانًا من المطالبة بالشفافية. وفي مثل هذا المناخ، لا يُهدَّد المال العام فقط، بل تُهدَّد فكرة الدولة ذاتها.
إن تحويل مبدأ «من أين لك هذا؟» الذي طال إنتظاره إلى ممارسة مؤسسية علنية، تُطبَّق دون استثناء، ليس استهدافًا لأشخاص، بل حماية للدولة. وهو ليس دعوة للتشكيك، بل تأكيد على أن المنصب العام لا يمنح حصانة مالية، وأن الثقة لا تُطلب من المواطن، بل تُكتسب عبر الشفافية.
وفي الختام، يتطلع المواطن إلى اليوم الذي يُقدَّم فيه كبار الفاسدين في الوطن إلى العدالة، لا بدافع التشفي، بل ليكونوا عِبرةً وردعًا لكل من تسوّل له نفسه مستقبلاً مدّ يده إلى المال العام أو نهب ثروات البلاد. فالدولة التي تحاسب الكبار قبل الصغار، وتكسر حلقة الإفلات من العقاب، هي وحدها القادرة على حماية مقدّراتها وترسيخ الثقة بين مؤسساتها ومواطنيها.
ولأن العدالة المؤجلة تُفقد هيبتها، فإن البدء يجب أن يكون اليوم قبل الأمس، عبر التحقق الجاد والشفاف من ثروات كل من تحوم حولهم شبهات فساد، سواء من كبار المسؤولين أو رؤساء مجالس إدارات الشركات الكبرى، وذلك من خلال سنّ قوانين وتشريعات واضحة تُمكّن الجهات القضائية والرقابية من الاطلاع على الحسابات البنكية والأصول المالية لكل من تثار حوله شبهات، وفق إجراءات قانونية تضمن النزاهة وتحفظ الحقوق.
فمحاربة الفساد لا تكون بالشعارات، بل بالفعل، ولا تبدأ من الهامش، بل من القمة، ولا تنجح إلا حين يصبح القانون فوق الجميع.
خلاصة القول إن الدولة القوية لا تخشى السؤال، والسلطة الواثقة لا تتهرب من المحاسبة، والعدالة التي تبدأ من القمة… وحدها القادرة على الصمود.

