لندن: محمد الطّورة
قد يبدو للوهلة الأولى أن وجود شقيقين في موقعين متقدمين من مواقع المسؤولية العامة أمر يستحق التوقف عنده، لكن قراءة المشهد من زاوية القرابة وحدها قد لا تكون كافية. فالأهم ربما هو النظر إلى طبيعة الموقع الذي اختير له كل منهما، والخبرة التي يحملها، وما يمكن أن يضيفه إلى المؤسسة التي يتولى مسؤوليتها.
اليوم يقف أيمن الصفدي في موقع نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية وشؤون المغتربين، وهو موقع يقع في قلب السياسة الخارجية الأردنية والدبلوماسية والعلاقات الدولية. وقد صدر قرار تعيينه وزيرًا للخارجية وشؤون المغتربين في كانون الثاني/يناير 2017، ثم عُيّن نائبًا لرئيس الوزراء ووزيرًا للخارجية وشؤون المغتربين في تشرين الأول/أكتوبر 2020، ولا يزال في هذا الموقع حتى اليوم.
وفي الجانب الآخر، يتولى شقيقه مهند الصفدي منصب مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون الأردنية، وهي المؤسسة التي تقع في صميم المشهد الإعلامي الرسمي الأردني. وتظهر نشاطات المؤسسة خلال عام 2026 استمرار حضور مهند الصفدي في إدارة ملفاتها وبرامجها ومشروعاتها الإعلامية.
وهنا تحديدًا تكمن المفارقة التي تستحق التأمل: شقيقان، أحدهما في قلب السياسة والدبلوماسية، والآخر في قلب الإعلام والصحافة.
لكن هل السياسة منفصلة عن الإعلام؟
في الحقيقة، يصعب الفصل بين المجالين في عالم اليوم. السياسة تحتاج إلى الإعلام لكي تشرح مواقفها وتوصل رسائلها، والإعلام يتعامل مع السياسة باعتبارها واحدة من أهم القضايا التي تشكل الرأي العام. ولهذا فإن العلاقة بين السياسة والإعلام ليست علاقة عابرة، وإنما علاقة تداخل وتأثير متبادل.
وربما تكون حالة أيمن الصفدي مثالًا واضحًا على هذا التداخل. فالصفدي ليس سياسيًا ودبلوماسيًا جاء إلى هذا المجال من خارج عالم الإعلام؛ بل هو، في جانب مهم من سيرته المهنية، ابن للإعلام والصحافة.
فبحسب سيرته الرسمية، يحمل الصفدي درجة الماجستير في الإعلام الدولي من جامعة بايلور الأمريكية، كما شغل خلال مسيرته عددًا من المواقع الإعلامية، من بينها رئاسة تحرير صحيفة «الغد» و«The Jordan Times»، وعمل كاتبًا سياسيًا، كما تولى إدارة مؤسسة الإذاعة والتلفزيون الأردنية، ومديرية الإعلام والاتصال في الديوان الملكي. F
وهذه الخلفية الإعلامية والصحفية لا يمكن فصلها عن تجربته السياسية والدبلوماسية؛ فالدبلوماسي في عصر الإعلام المفتوح لا يفاوض خلف الأبواب المغلقة فقط، وإنما يتعامل أيضًا مع الصحافة والرأي العام والرسائل السياسية والصورة التي تصل بها مواقف بلاده إلى الخارج.
ومن هنا يمكن النظر إلى تجربة أيمن الصفدي باعتبارها تجربة جمعت بين لغة الإعلام وأدوات السياسة والدبلوماسية. وقد استمر في موقع وزير الخارجية منذ عام 2017، وهي مدة طويلة نسبيًا في موقع يتغير شاغلوه عادة مع تغير الحكومات. كما أن السجلات الرسمية تُظهر حضوره المستمر في اللقاءات والملفات والاتصالات الخارجية التي يجريها الأردن.
أما شقيقه مهند، فإن وجوده على رأس مؤسسة الإذاعة والتلفزيون يضعه في مجال مختلف، لكنه ليس بعيدًا عن المجال الذي تحرك فيه شقيقه لسنوات. فالإعلام الرسمي اليوم لم يعد مجرد نقل للأخبار، وإنما أصبح جزءًا من عملية التواصل مع المجتمع، وتقديم صورة الأردن، والتعامل مع الأحداث والقضايا الوطنية والإقليمية.
ولعل ما يجعل الصورة أكثر إثارة للاهتمام أن مؤسسة الإذاعة والتلفزيون نفسها تقوم بأدوار تتجاوز البث التقليدي؛ ففي عام 2026، على سبيل المثال، شاركت المؤسسة في تغطية فعاليات وطنية وثقافية، كما أطلقت منصة رقمية مرتبطة بمشاركة المنتخب الأردني في كأس العالم، بهدف تقديم الأردن للجمهور الدولي من خلال محتوى متعدد اللغات.
وبالتالي، فإن وجود الشقيقين في هذين الموقعين يمكن قراءته من زاوية أخرى: السياسة والإعلام جناحان متداخلان في عملية التواصل مع الداخل والخارج؛ أحدهما يتحرك في فضاء العلاقات الدولية وصناعة المواقف الدبلوماسية، والآخر يتحرك في فضاء الإعلام ونقل الرسائل وصناعة المحتوى والتواصل مع الجمهور.
وليس جديدًا على الدولة الأردنية أن نجد أفرادًا من الأسرة نفسها في مواقع عامة مختلفة. ومن الأمثلة التي تستحق الإشارة تجربة الشقيقين نادر ومحمد الذهبي؛ فقد كان نادر الذهبي رئيسًا للوزراء، بينما صدر في كانون الأول/ديسمبر 2005 قرار ملكي بتعيين محمد الذهبي مديرًا عامًا لدائرة المخابرات العامة. كما تظهر سجلات الديوان الملكي وجودهما معًا في عدد من المناسبات الرسمية خلال تلك المرحلة.
وهذا يعيدنا إلى السؤال الأساسي: هل ينبغي أن تكون صلة القرابة هي محور الحكم على مثل هذه الاختيارات؟
ربما يكون الأجدى أن يكون السؤال مختلفًا: ما الذي يحمله كل شخص من خبرة ومعرفة إلى الموقع الذي يتولاه؟ وما الذي يقدمه بعد وصوله إليه؟
فالمنصب العام، في النهاية، لا تمنحه القرابة وحدها، ولا تثبت جدارة صاحبه بمجرد صدور قرار التعيين. الاختبار الحقيقي يبدأ بعد تولي المسؤولية، عندما تصبح الخبرة والكفاءة والقدرة على الإنجاز أمام امتحان الواقع.
وفي حالة أيمن ومهند الصفدي، نحن أمام مسارين مختلفين في التفاصيل، لكنهما يلتقيان في مساحة واسعة: الإعلام والسياسة، السياسة والإعلام.
وقد يكون اختيار شقيقين لموقعين متصلين بهذين المجالين جزءًا من رؤية تهدف إلى الاستفادة من خبرة كل منهما في المكان الذي يستطيع أن يقدم فيه أفضل ما لديه. وقد تكون هناك قراءات أخرى للمشهد. لكن من الصعب أن يكون الحكم نهائيًا قبل أن تتراكم التجربة وتظهر نتائجها.
لذلك، ربما يكون من الأفضل ألا نستعجل الحكم، لا بالإشادة ولا بالانتقاد.
لنترك للأيام والزمن أن يقولا كلمتهما.
فالاختيارات يمكن أن تثير الأسئلة، والمناصب يمكن أن تفتح باب النقاش، لكن النتائج وحدها هي التي تستطيع أن تقدم الإجابة الأكثر دقة.
وفي نهاية المطاف، لا ينبغي أن يكون السؤال: هل هما شقيقان؟
بل: ماذا قدم كل واحد منهما للموقع الذي اختير له؟
فهناك فقط، في ميدان العمل والإنجاز، يمكن أن يتشكل الحكم الحقيقي على أي تجربة.