لندن: محمد الطّورة
ما أكتبه ليس نتاج مهنة، بل حصيلة تجربة امتدت لثمانية وأربعين عامًا من المعايشة والملاحظة. كما أنه ليس ادعاء كتابة، بل محاولة قول ما تأخر قوله.
سنوات طويلة لم يكن فيها الكلام ممكنًا،
لا لغياب الرغبة، بل لاعتبارات يدركها جيدًا من يمتلكون وعيًا كافيًا لقراءة ما بين السطور.
ما يُكتب الآن… هو ما نجا من الصمت.
“أنا حظي معاك يا معلم زي اللي بترقص على السلم، لا اللي فوق شافوها ولا اللي تحت سمعوها.”
بهذه الصورة الساخرة يبدأ السؤال، لكنها ليست مجرد دعابة؛ إنها اختزال دقيق لحالة يعيشها كثيرون: شعور بأن ما نفعله يضيع في الفراغ، لا يصل إلى أحد، ولا يترك أثرًا ظاهرًا. وهذا يقودنا إلى السؤال الأعمق: لماذا نكتب أصلًا، إذا كان لا أحد يقرأ؟
الكتابة، في جوهرها، ليست دائمًا فعلًا موجّهًا للآخرين، بل هي في كثير من الأحيان حوار داخلي. نحن لا نكتب فقط لنُرى، بل لنرى أنفسنا بشكل أوضح. الكلمات تصبح مرآة، نعيد عبرها ترتيب أفكارنا، ونفهم مشاعرنا، ونمنح الفوضى شكلًا يمكن احتماله.
قد يبدو أن الكتابة بلا جمهور نوع من العبث، لكنها في الحقيقة فعل مقاومة. مقاومة للصمت، للنسيان، وللأفكار التي لو لم تُكتب لتبخرت. الكاتب لا يضمن قارئًا، لكنه يضمن أنه لم يترك ما بداخله يموت دون أن يُقال. فكثير مما يُكتب هنا ليس وليد اللحظة، بل خلاصة سنوات من المعايشة ظلّ فيها القول مؤجلًا، لا غائبًا.
ثم إن فكرة “لا أحد يسمعنا” ليست دقيقة تمامًا. ربما لا نُسمع الآن، وربما لا نُرى في اللحظة ذاتها، لكن الكلمات لها عمر أطول من أصحابها أحيانًا. كم من نص كُتب في عزلة، ثم وجد قارئه بعد سنوات؟ وكم من فكرة بدت هامشية، ثم أصبحت لاحقًا صوتًا مؤثرًا؟
الكتابة أيضًا ليست دائمًا بحثًا عن التصفيق، بل عن الصدق. حين نكتب بصدق، حتى لو لم يقرأنا أحد، نكون قد أدينا وظيفة إنسانية عميقة: التعبير. وهذا بحد ذاته قيمة، لا تُقاس بعدد القراء.
قد تكون الكتابة كمن “يرقص على السلم”، لكن ربما المشكلة ليست في الرقص، بل في توقع المسرح. ليس كل فعل جميل يحتاج جمهورًا، وليس كل صوت يحتاج صدىً ليكون حقيقيًا.
نكتب لأننا لا نستطيع ألا نكتب. نكتب لأن داخلنا شيئًا يرفض الصمت. نكتب لأن الكتابة، حتى في أكثر حالاتها وحدةً، تجعلنا أقل وحدة.
وفي النهاية، ربما لا أحد يرانا الآن… لكن هذا لا يعني أن ما نفعله بلا معنى.

