ثمة لقاءات لا تغادر ذاكرة الصحفي، حتى وإن مضت عليها سنوات طويلة. تبقى تفاصيلها عالقة في الوجدان، لا لأن أصحابها كانوا شخصيات سياسية بارزة فحسب، بل لأن الحديث معهم كان يفتح نوافذ واسعة على التاريخ، ويعيد طرح الأسئلة الكبرى التي لا تزال تشغل الأمة العربية.
في عام 2004، جمعتني في العاصمة السورية دمشق جلسة صحفية مع الرئيس الجزائري الأسبق الراحل أحمد بن بِلّة، وذلك في قاعة فندق تشرين. كان اللقاء، الذي نُشر في يومية «العرب اليوم» الأردنية، حيث كنت أحد صحفييها، فرصة للحديث مع رجل ارتبط اسمه بتاريخ التحرر الوطني الجزائري، وعاش تحولات سياسية كبرى تركت أثرها في الجزائر والعالم العربي.
كان أحمد بن بِلّة أول رئيس للجمهورية الجزائرية بعد استقلالها عام 1962، وأحد أبرز رموز الثورة الجزائرية التي خاضت معركة طويلة وقاسية ضد الاستعمار الفرنسي. وقد ارتبط اسمه بمرحلة مفصلية من تاريخ الجزائر الحديث، حين بدأت الدولة الوليدة تشق طريقها نحو بناء مؤسساتها الوطنية، وتحديد موقعها في محيطها العربي والإفريقي والدولي. ولم تكن تجربته السياسية مجرد سيرة رئيس تولّى الحكم في السنوات الأولى للاستقلال، بل كانت جزءاً من تاريخ أمة دفعت ثمناً باهظاً من أجل حريتها وسيادتها.
لم يكن حديثنا محصوراً في سيرة رجل تولّى رئاسة الجزائر في السنوات الأولى لاستقلالها، ولا في استعادة محطات الماضي فحسب؛ فقد دار حديثنا حول هموم الأمة العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وما كانت المنطقة تواجهه من تحولات في ظل الهيمنة الأمريكية المتزايدة.
كان عام 2004 عاماً مثقلاً بالأسئلة العربية. العراق يعيش تداعيات الغزو الأمريكي، وفلسطين تواجه واقعاً بالغ القسوة، فيما كانت المنطقة بأسرها تقف أمام مشهد سياسي يعيد رسم موازين القوى، ويطرح تساؤلات جدية حول مستقبل القرار العربي واستقلاليته.
في تلك الأجواء، بدا الحديث عن فلسطين أكبر من أن يكون موضوعاً عابراً في لقاء صحفي. فالقضية التي ظلت لعقود معياراً للمواقف العربية، كانت ولا تزال تختبر قدرة العرب على حماية حقوق الشعب الفلسطيني، وتحويل التضامن السياسي إلى موقف فاعل على أرض الواقع.
ولم تكن الهيمنة الأمريكية على المنطقة أقل حضوراً في أسئلة ذلك اللقاء. فقد كان المشهد العربي يثير مخاوف متزايدة من اتساع النفوذ الأمريكي، في وقت كانت فيه الحاجة ملحّة إلى مراجعة عربية عميقة لطبيعة العلاقات الدولية، ولموقع العرب في عالم تتقدم فيه المصالح على الشعارات.
وأنا أستعيد اليوم ذلك اللقاء، لا أريد أن أحمّله أكثر مما يحتمل، ولا أن أنسب إلى بن بِلّة عبارات لم أحتفظ بنصها الحرفي. لكنني أستحضر دلالة الحوار مع رجل ارتبط اسمه بمرحلة التحرر الوطني الجزائري، وبزمن كانت فيه قضايا الاستقلال والسيادة والتضامن العربي تحتل مكانة مركزية في الوعي السياسي.
كان بن بِلّة ينتمي إلى جيل عرف معنى الاستعمار، وخاضت بلاده واحدة من أكثر تجارب التحرر الوطني قسوة في القرن العشرين. ولذلك، فإن استحضار تجربته في حوار عن فلسطين والعراق ومستقبل المنطقة لم يكن مجرد استعادة لسيرة سياسية، بل عودة إلى أسئلة التحرر والسيادة، وإلى العلاقة بين استقلال الدول وقدرتها على اتخاذ قراراتها بعيداً عن الضغوط الخارجية.
لقد كانت الجزائر، بما تحمله من ذاكرة ثورية، حاضرة في خلفية ذلك الحديث؛ الجزائر التي دفعت ثمناً باهظاً من أجل استقلالها، والتي ارتبطت في الوعي العربي بمعاني الكرامة الوطنية وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه عند استعادة ذلك اللقاء لا يتعلق بما قاله رجل من الماضي فحسب، وإنما بما بقي من الأسئلة التي كانت تشغلنا في دمشق عام 2004.
أين يقف المشروع العربي اليوم من القضية الفلسطينية؟ وكيف يمكن للدول العربية أن تحمي استقلال قرارها في ظل اختلال موازين القوى؟ ولماذا تتكرر الأزمات، فيما تتراجع القدرة على بناء موقف عربي مشترك تجاه القضايا المصيرية؟
إنها أسئلة تجاوزت زمن اللقاء ومكانه، وبقيت مفتوحة. فالتاريخ لا ينتهي برحيل الشخصيات التي صنعته، كما أن القضايا الكبرى لا تفقد أهميتها بمرور السنوات، بل ربما تصبح أكثر إلحاحاً كلما اتسعت الفجوة بين تطلعات الشعوب وواقع السياسة.
رحل أحمد بن بِلّة في عام 2012، لكن اسمه بقي جزءاً من ذاكرة الجزائر الحديثة، ومن تاريخ مرحلة عربية كانت تبحث عن طريقها بين الاستقلال الوطني والتضامن القومي وتحديات النظام الدولي.
أما بالنسبة إليّ، فقد بقي لقاء دمشق، في قاعة فندق تشرين عام 2004، محطة من محطات الذاكرة الصحفية؛ لقاءً أعادني إلى زمن كانت فيه أسئلة الأمة تُطرح وجهاً لوجه، وكانت القضية الفلسطينية حاضرة في قلب النقاش العربي، وكانت المخاوف من التدخلات الخارجية ومستقبل المنطقة تتقدم على كثير من التفاصيل.
أستعيد تلك اللحظة اليوم، لا بوصفها حكاية عن لقاء مع رئيس سابق فحسب، بل شهادة صحفية على مرحلة من تاريخنا القريب، وعلى أسئلة لم تفقد راهنيتها.
فبعض اللقاءات ينتهي بانتهاء الجلسة، وبعضها يبقى مفتوحاً في ذاكرة الصحفي، كلما عاد إلى أوراقه القديمة، أو تأمل ما آلت إليه الأيام.
في دمشق، قبل أكثر من عقدين، جمعتني جلسة صحفية بأحمد بن بِلّة؛ أما الأسئلة التي حملناها إلى ذلك اللقاء، فما زال بعضها ينتظر إجابات عربية واضحة.