لندن: محمد الطّورة
المنافسة على المناصب لا تبرر التشكيك بالآخرين، وامتلاك المال ليس دليل إدانة، بل العبرة بكيفية استخدامه ومدى الالتزام بالقانون.
مع اقتراب المواسم الانتخابية النيابية، أو كلما اقترب موعد انتخاب رئيس مجلس النواب، تتجدد ظاهرة التصريحات النارية والاتهامات المتبادلة، ويعود الحديث عن المال السياسي إلى الواجهة، وكأن المنافسة على المواقع والمناصب لا تكتمل إلا بالتشكيك في نوايا الآخرين والطعن في قدرتهم على خوض الانتخابات بنزاهة.
وفي خضم هذه الأجواء، يبرز سؤال يستحق التوقف عنده: هل أصبح امتلاك المال تهمة بحد ذاته في الأردن؟ وهل يُعقل أن يُنظر إلى كل شخص ميسور الحال، بمجرد ترشحه لمنصب أو دخوله في منافسة انتخابية، على أنه مشروع متهم باستخدام المال للتأثير في إرادة الناخبين أو شراء أصواتهم؟
لا خلاف على أن استخدام المال بصورة غير مشروعة للتأثير في الانتخابات ممارسة مرفوضة، ويجب التصدي لها بكل حزم وفق القانون. لكن ثمة فرقًا كبيرًا بين رفض شراء الأصوات واستغلال المال للتأثير في الناخبين، وبين توجيه الاتهامات جزافًا لكل من يمتلك المال، وكأن الثراء أصبح قرينة إدانة تستوجب من صاحبها الدفاع عن نفسه لمجرد أنه قرر خوض المنافسة.
فالمال ليس جريمة، والغنى ليس تهمة، وإنما العبرة بكيفية استخدام المال، ومصدره، ومدى مشروعية توظيفه في العملية الانتخابية.
ولعل ما يجري في الولايات المتحدة الأمريكية، أكبر الاقتصادات العالمية وأحد أبرز النماذج الديمقراطية، يقدم مثالًا واضحًا على أن وجود المال في الانتخابات ليس أمرًا مستغربًا أو حكرًا على الأردن. فالمرشحون هناك ينفقون على حملاتهم الانتخابية ضمن الأطر القانونية، ويلجأ كثير منهم إلى جمع التبرعات لتغطية نفقات حملاتهم، بمن فيهم مرشحون لا يمتلكون القدرة المالية الكافية لتمويل حملاتهم من أموالهم الخاصة. ويخضع هذا التمويل لقواعد وضوابط رقابية تنظم مصادر الأموال وأوجه إنفاقها.
وهذا يعني أن وجود المال لدى المرشح لا يشكل، بحد ذاته، دليلًا على ارتكاب مخالفة، ولا يجوز افتراض أنه سيستخدمه لشراء الأصوات أو التأثير غير المشروع في الناخبين. فهناك فارق جوهري بين أن ينفق المرشح أمواله بصورة قانونية على حملته، للتعريف ببرنامجه ومواقفه والتواصل مع الناخبين، وبين أن يستخدم المال وسيلة لاستمالة الأصوات أو التأثير في الإرادة الانتخابية بالمخالفة للقانون. الأول تحكمه القواعد القانونية، أما الثاني فيستوجب المساءلة متى ثبتت مخالفته بالأدلة.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا يتحول المال في بعض الأحيان إلى تهمة بمجرد دخول صاحبه موسم الانتخابات؟ ولماذا يُفترض أن كل من يمتلك المال سيستخدمه بالضرورة لشراء الأصوات، بدلًا من الاحتكام إلى الوقائع والأدلة؟ أليس الأصل أن يكون الحكم على الأفعال لا على الإمكانات المالية، وعلى الممارسات المثبتة لا على النوايا المفترضة؟
والأكثر إثارة للاستغراب أن المال الذي يُثار حوله الجدل في المواسم الانتخابية هو ذاته الذي يحظى بالقبول في كثير من المناسبات الاجتماعية، حين تُقام الولائم وتُمد موائد العزائم، وتُلبّى الدعوات لدى أصحاب المال، وتُشارك مناسباتهم الاجتماعية بكل أريحية. فلماذا لا يكون المال موضع تساؤل في تلك المناسبات، ثم يتحول فجأة إلى شبهة وتهمة عندما يدخل صاحبه ميدان المنافسة الانتخابية؟
وهل يصبح المال حلالًا عندما تكون الدعوة إلى وليمة أو مناسبة اجتماعية، ثم يصبح حرامًا ومحل اتهام عندما يترشح صاحب المال لمنصب أو يسعى إلى نيل ثقة زملائه؟!
بالتأكيد، لا تعني هذه التساؤلات تبرير أي مخالفة انتخابية أو التساهل في مواجهة شراء الأصوات، وإنما تدعو إلى اعتماد معيار واحد لا يتغير بتغير المصالح والمناسبات. فإذا وُجدت أدلة على استخدام المال بصورة غير مشروعة، فهناك جهات مختصة يُفترض اللجوء إليها، وهناك قوانين يجب تطبيقها على الجميع دون استثناء. أما تحويل القدرة المالية إلى تهمة جاهزة، فهو ظلم لا يخدم النزاهة ولا يعزز الثقة بالعملية الانتخابية.
وتزداد خطورة هذه الظاهرة عندما تنتقل إلى المنافسة على رئاسة مجلس النواب، حيث لا تقتصر آثار الاتهامات على المرشح المستهدف، بل تمتد إلى سمعة المجلس وهيبته وصورة أعضائه أمام الرأي العام. فعندما يتبادل المرشحون التلميحات والاتهامات عبر وسائل الإعلام، دون تقديم أدلة واضحة، فإن الضرر لا يصيب الشخص الذي وُجهت إليه الاتهامات وحده، وإنما يطال المؤسسة التشريعية بأكملها، ويترك انطباعًا سلبيًا عن طبيعة التنافس داخلها.
فكيف لمن يسعى إلى رئاسة مجلس النواب وتمثيل المؤسسة أمام البرلمانات والمحافل الدولية أن يجعل من التصريحات المتشنجة والتشكيك بالآخرين وسيلة لإدارة المنافسة؟ إن رئاسة المجلس ليست مجرد موقع يتنافس عليه الطامحون، بل مسؤولية وطنية تتطلب الحكمة والاتزان، والقدرة على إدارة الاختلاف باحترام، واختيار الكلمات التي تليق بمكانة المؤسسة التشريعية.
كما أن إثارة ملف المال السياسي في توقيت تحتدم فيه المنافسة بين المرشحين تطرح تساؤلات مشروعة حول دوافعها وأهدافها، خصوصًا عندما تأتي في سياق صراع على موقع قيادي. فالمطلوب ليس الصمت عن المخالفات إن وُجدت، وإنما التعامل معها بمسؤولية، بعيدًا عن المزايدات الإعلامية ومحاولات إحراج المنافسين أو التأثير في مواقف الآخرين من خلال إطلاق الاتهامات.
إن المرشح الذي يمتلك المال ليس بالضرورة أفضل من غيره، كما أنه ليس بالضرورة موضع شبهة. وفي المقابل، فإن المرشح الذي لا يمتلك المال ليس بالضرورة أكثر نزاهة من منافسه. فالنزاهة لا تُقاس بحجم الثروة، والكفاءة لا تُشترى بالمال، والقدرة على إدارة المؤسسات لا تُحددها الأرصدة المالية، وإنما تُثبتها المواقف والخبرات والبرامج والسلوك المسؤول.
وإذا كانت الغاية الحقيقية هي حماية نزاهة الانتخابات وصون مكانة مجلس النواب، فإن الطريق إلى ذلك يبدأ بتطبيق القانون، وتعزيز الرقابة، والتحقق من مصادر التمويل وأوجه الإنفاق، ومحاسبة كل من تثبت مخالفته، لا بتعميم الشبهات على أصحاب المال أو التعامل مع كل مقتدر ماليًا باعتباره متهمًا حتى تثبت براءته.
إن مجلس النواب أكبر من أن تتحول المنافسة على رئاسته إلى ساحة لتبادل الاتهامات، وأسمى من أن تصبح سمعة أعضائه ورقة في حسابات انتخابية ضيقة. ومن يريد الوصول إلى موقع المسؤولية، فليقدم ما لديه من كفاءة وخبرة ورؤية، وليترك للنواب حرية الاختيار بعيدًا عن الضغوط والتشكيك والتجريح.
وفي النهاية، تبقى القاعدة التي ينبغي ألا تغيب عن أي موسم انتخابي واضحة: من يمتلك دليلًا على مخالفة، فليقدمه إلى الجهات المختصة، ومن لا يملك الدليل، فالأجدر به ألا يتهم الآخرين جزافًا. فالمال لا يصبح جريمة بسبب امتلاك صاحبه له، وإنما تتحدد مشروعيته بطريقة الحصول عليه واستخدامه ومدى الالتزام بالقانون.
فهل أصبح امتلاك المال في الأردن تهمة موسمية لا تظهر إلا عند الانتخابات؟ أم أن المشكلة الحقيقية تكمن في طريقة توظيف الاتهامات في الصراعات على المناصب؟
إن ما يحتاج إليه المشهد النيابي اليوم ليس مزيدًا من التصريحات الصاخبة، بل خطابًا مسؤولًا يحترم عقول المواطنين، ومنافسة تقوم على الكفاءة والنزاهة، وأعضاء يدركون أن سمعة مجلس النواب ومكانته الوطنية أكبر من أي منصب، وأن المكاسب الانتخابية المؤقتة لا تبرر إلحاق الضرر بمؤسسة يفترض بالجميع أن يكونوا حريصين عليها.