لندن: محمد الطّورة

ليست الكتابة عن سمو الأمير الحسن بن طلال مجرد استعادة لسيرة شخصية وطنية بارزة، بل هي، بالنسبة لي، استحضار لتجربة إنسانية تركت في النفس أثرًا عميقًا. فقد أتاح لي عملي في السفارة الأردنية في لندن شرف اللقاء بسموه مرات عديدة، وهي لقاءات منحتني فرصة الاقتراب من شخصيته، لا من خلال ما يُقال عنه فحسب، بل من خلال ما لمسته بنفسي من سموّ الخُلق ونبل الطبع وعمق الإنسانية.
في حضرة سموه، تكتشف أن المكانة الحقيقية لا تصنعها الألقاب، بل يصنعها احترام الإنسان للإنسان. يُصغي إليك باهتمام يُشعرك بأن حديثك موضع تقدير، ويتبادل الحوار مع الجميع بروح منفتحة وتواضع صادق، حتى يخالطك شعور بالألفة وكأن بينك وبينه معرفة تمتد لسنوات. وفي لطفه وسعة صدره وقدرته على الإصغاء، تتجلى شخصية تجمع بين الفكر الواسع والإنسانية القريبة من الناس؛ شخصية لا تكتفي بأن تُسمع الآخرين، بل تمنحهم الشعور بأنهم مسموعون ومقدّرون.
ومن هذا القرب الإنساني، أكتب عن الأمير الحسن؛ رفيق درب الملك الحسين، الذي ارتبط اسمه بمرحلة مهمة من تاريخ الأردن، وحمل عبر عقود من العطاء إيمانًا راسخًا بالوطن والإنسان. أكتب لا بصفتي متابعًا لسيرته فحسب، بل بصفتي ممن أتاح لهم القدر أن يلتقوا سموه عن قرب، وأن يروا في تواضعه واحترامه للآخرين وجهًا أصيلًا من وجوه الشخصية الهاشمية، حيث تلتقي الحكمة بالإنسانية، وتبقى خدمة الأردن جوهر الرسالة ومعناها.
رفيق درب الحسين.. حكاية وفاء ومسؤولية
حين يُذكر الأمير الحسن بن طلال، يستحضر الأردنيون معه صورة الملك الحسين بن طلال، رحمه الله، وتلك السنوات الطويلة التي جمعتهما في مسيرة الدولة الأردنية. فقد كان الأمير الحسن رفيق درب الملك الراحل على امتداد خمسة وثلاثين عامًا من ولاية العهد، حاضرًا في محطات مهمة من تاريخ المملكة، وشاهدًا على تحدياتها وتحولاتها، ومشاركًا في حمل مسؤولياتها الوطنية.
ولم تكن هذه الرفقة مجرد علاقة عائلية أو موقع دستوري، بل ارتبطت بسنوات من العمل في خدمة الأردن، وبمسيرة تشكّلت فيها خبرات سياسية وفكرية وإنسانية عميقة. ومن هنا، فإن الحديث عن الأمير الحسن لا ينفصل عن الحديث عن الملك الحسين، وعن مرحلة تاريخية كان عنوانها بناء الدولة، وترسيخ مؤسساتها، وتعزيز مكانة الأردن في محيطه العربي والدولي.
لقد بقيت العلاقة بين الرجلين جزءًا من الذاكرة الوطنية الأردنية؛ ذاكرة تستحضر ما جمعهما من مسؤولية تجاه الوطن، وما شهدته تلك السنوات من عمل في ظل ظروف إقليمية ودولية لم تكن سهلة. وتظل قيمة هذه الرفقة في ما تركته من أثر في مسيرة الدولة، وفي ما تحمله من معانٍ تتجاوز الأشخاص إلى فكرة الاستمرار في خدمة الأردن وصون مصالحه.
حين تتقدم مصلحة الوطن على كل اعتبار
في تاريخ الدول محطات مفصلية تختبر فيها المواقف، وتظهر فيها حقيقة الانتماء، ويصبح الاحتكام إلى المصلحة الوطنية هو المعيار الأهم. وقد شهد الأردن في انتقال العرش بعد رحيل الملك الحسين مرحلة دقيقة من تاريخه، استدعت تغليب استقرار الدولة واستمرارية مؤسساتها، والمضي قدمًا في مسيرتها بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين.
وفي مثل هذه المحطات، تبرز قيمة الخبرة المتراكمة، ونضج المواقف، والإيمان بأن الأوطان أكبر من الأشخاص، وأن المسؤولية الوطنية لا تختزل في موقع أو منصب، بل تتجلى في الحرص على استقرار الدولة ومصلحة شعبها ومستقبلها.
ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة مسيرة الأمير الحسن بوصفها امتدادًا لعطاء وطني لم يتوقف عند حدود موقع بعينه، بل ظل حاضرًا من خلال الفكر والعمل والمبادرات والاهتمام بقضايا الإنسان والتنمية والحوار. فالمناصب تتغير، لكن مسؤولية الوفاء للوطن تبقى، وتظل قيمة الإنسان بما يقدمه لوطنه وبما يتركه من أثر في حياة الناس.
إن الحديث عن الأمير الحسن في هذا السياق ليس استعادة للماضي فحسب، بل تقدير لما يمثله من خبرة وطنية وفكرية، ولما يقدمه من نموذج يؤكد أن خدمة الأردن مسؤولية مستمرة، وأن احترام مؤسسات الدولة واستقرارها يشكلان أساسًا راسخًا في بناء المستقبل.
الهاشميون والأردنيون.. علاقة تاريخية من الثقة والوفاء
منذ تأسيس الدولة الأردنية، قامت العلاقة بين القيادة الهاشمية والشعب الأردني على روابط متينة من الثقة والانتماء والمصير المشترك. وقد أسهمت هذه العلاقة، عبر العقود، في ترسيخ هوية الدولة وتعزيز وحدتها الوطنية، وفي تمكين الأردن من تجاوز تحديات كثيرة، رغم ما واجهته المنطقة من أزمات وتحولات.
ولم تكن العشائر الأردنية يومًا بعيدة عن هذه المسيرة، بل كانت جزءًا أصيلًا من نسيج الدولة، وشريكًا في بناء مؤسساتها والدفاع عن أمنها واستقرارها. وقد تجلت هذه العلاقة في مواقف تاريخية كثيرة، وفي قيم الوفاء والكرامة والاعتزاز بالهوية الأردنية، وهي قيم ما زالت تشكل ركيزة أساسية في الوجدان الوطني.
وتبقى اللقاءات التي تجمع أبناء الأسرة الهاشمية بأبناء العشائر والمجتمع الأردني أكثر من مناسبات اجتماعية؛ فهي تعبير عن استمرارية علاقة إنسانية ووطنية، تتجدد فيها معاني القرب والتواصل، ويؤكد من خلالها الأردنيون اعتزازهم بقيادتهم، وحرصهم على صون وحدتهم ومسيرة دولتهم.
مأدبة الشيخ مرزوق العابد الدعجة.. عنوان للمحبة والتواصل
في هذا الإطار، تأتي مأدبة الغداء التي أقامها الشيخ مرزوق فلاح العابد الدعجة في صالحية العابد تكريمًا لسمو الأمير الحسن بن طلال، باعتبارها مناسبة تحمل دلالات اجتماعية ووطنية تتجاوز حدود اللقاء والضيافة.
فالمناسبات التي تجمع الشخصيات الوطنية بأبناء المجتمع والعشائر الأردنية تعكس تقاليد أصيلة في الكرم والتقدير، وتمنح اللقاء بعدًا إنسانيًا يعزز أواصر التواصل والمحبة. وهي أيضًا مساحة لاستحضار تاريخ من العلاقات التي تشكلت على الاحترام المتبادل، والاعتزاز بالهوية الوطنية، والحرص على بقاء جسور التواصل قائمة بين مختلف مكونات المجتمع الأردني.
ويعكس إكرام الشيخ مرزوق العابد الدعجة لسمو الأمير الحسن تقديرًا لشخصية وطنية لها مكانتها في وجدان الأردنيين، ولتاريخ ارتبط بمسيرة الدولة الأردنية وبمحطات مهمة من حياتها. فالضيافة الأردنية ليست مجرد تقليد اجتماعي، بل لغة وفاء تعبّر عن عمق الانتماء، وعن تقدير الرجال الذين ارتبطت أسماؤهم بخدمة الوطن والعمل من أجله.
وفي مثل هذه اللقاءات، تتجلى خصوصية المجتمع الأردني الذي يرى في الكرم والتواصل وسيلتين لتعزيز التماسك الاجتماعي، وتجديد قيم الاحترام والتقدير بين أبناء الوطن الواحد.
الأمير الحسن.. مكانة تتجاوز الألقاب
إن ما يمنح الأمير الحسن بن طلال مكانته في نفوس كثير من الأردنيين لا يرتبط فقط بموقعه في تاريخ الدولة أو بسنواته الطويلة إلى جانب الملك الحسين، بل يتصل كذلك بشخصيته الفكرية والإنسانية، وباهتمامه بقضايا الحوار والثقافة والتنمية وكرامة الإنسان.
وقد عُرف سموه باهتمامه بالحوار بين الثقافات والأديان، وبطرح القضايا الفكرية والإنسانية من منظور يربط المعرفة بمسؤولية الإنسان تجاه مجتمعه والعالم. وهي اهتمامات تعكس إيمانًا بأن قوة الدول لا تُقاس فقط بما تمتلكه من إمكانات، بل أيضًا بما ترسخه من قيم، وما تتيحه لمواطنيها من فرص، وما تبنيه من جسور للتفاهم مع الآخرين.
لكن ما يبقى في الذاكرة، إلى جانب الفكر والخبرة، هو ذلك الجانب الإنساني الذي يلمسه من يلتقي سموه عن قرب؛ احترامه لمحدثه، وحرصه على الإصغاء، وتواضعه في الحوار، وقدرته على إشعار من أمامه بأن له مكانًا في الحديث، مهما اختلفت خلفيته أو موقعه.
وهنا تلتقي التجربة الشخصية بالمعنى العام؛ فالتواضع ليس تفصيلًا عابرًا في شخصية صاحب مكانة، بل هو مقياس أصيل لقربه من الناس، واحترامه لهم، وإدراكه أن قيمة الحوار تكمن في الإنصات بقدر ما تكمن في الكلام.
الوفاء للماضي والإخلاص لمسيرة الوطن
إن استحضار الأمير الحسن بوصفه رفيق درب الملك الحسين هو استحضار لمرحلة من تاريخ الأردن، بما حملته من مسؤوليات وتحديات وإنجازات. لكنه أيضًا تذكير بأن الوفاء للماضي لا يعني الوقوف عنده، بل الاستفادة من دروسه ومواصلة البناء على ما تحقق، بما يخدم الأجيال القادمة.
فالملك الحسين، رحمه الله، ترك إرثًا وطنيًا حاضرًا في ذاكرة الأردنيين، وتواصلت مسيرة الدولة بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني، في ظل تحديات جديدة ومسؤوليات متجددة. وبين هذه المراحل، تبقى الخبرات الوطنية المتراكمة والذاكرة التاريخية عناصر مهمة في فهم مسيرة الأردن وتعزيز الثقة بمستقبله.
ومن هنا، فإن تقدير الأمير الحسن هو، في جانب منه، تقدير لتاريخ من العمل والمسؤولية، ولرجل بقيت صلته بالأردن وقضاياه حاضرة في فكره واهتمامه. وهو تقدير لا يتعارض مع حقيقة أن لكل مرحلة قيادتها ومتطلباتها، بل يؤكد أن الأوطان تُبنى بتراكم الجهود، وباحترام الأدوار، وبالإيمان بأن المصلحة الوطنية هي البوصلة التي ينبغي أن تهدي الجميع.
الأردن.. وطن يجمع أبناءه على المحبة والوفاء
تبقى قيمة مثل هذه المناسبة في ما تعبّر عنه من معانٍ تتصل بجوهر الحياة الأردنية: الكرم، والوفاء، والاحترام، والاعتزاز بتاريخ الدولة وقيادتها وشعبها. وهي معانٍ تكتسب أهميتها في زمن تتسارع فيه التحولات، وتشتد فيه الحاجة إلى تعزيز الروابط الوطنية، وتأكيد ما يجمع الأردنيين من قيم ومصالح وآمال مشتركة.
وفي ضيافة الشيخ مرزوق العابد الدعجة، يحضر الأمير الحسن بما يمثله من صلة بتاريخ الأردن، وبما تختزنه سيرته من معاني الرفقة والمسؤولية والعطاء. ويستعيد اللقاء، في دلالته الأوسع، صورة الأردن الذي حافظ على تماسكه عبر عقود، مستندًا إلى علاقة تاريخية بين القيادة والشعب، وإلى إيمان راسخ بأن قوة الوطن في وحدة أبنائه والتفافهم حول مؤسساته.
أما بالنسبة لي، فإن الكتابة عن سمو الأمير الحسن تظل، قبل كل شيء، عودة إلى تجربة شخصية أعتز بها؛ تجربة عرفت فيها عن قرب إنسانًا يجمع بين المكانة والتواضع، وبين سعة الفكر واحترام الآخرين. وهي تجربة جعلتني أرى أن بعض الشخصيات لا تُختصر في مناصبها أو أدوارها التاريخية، بل تُعرف أيضًا بما تتركه في نفوس من يلتقونها من أثر طيب.
وهكذا، يظل الأمير الحسن رفيق درب الحسين في الذاكرة الوطنية، وشخصية ارتبطت بمحطات مهمة من مسيرة الأردن، فيما تبقى المحبة التي تجمع الأردنيين بقيادتهم، والوفاء الذي يصل حاضرهم بتاريخهم، من أهم عناصر قوة الدولة واستمرارها.
فالأوطان لا تصنعها مرحلة واحدة، ولا يحمل مسؤوليتها جيل واحد؛ إنها مسيرة متصلة، تتعاقب فيها الأدوار وتبقى فيها المبادئ. وفي مقدمة هذه المبادئ، يظل الأردن أولًا، وتظل خدمته والوفاء له مسؤولية لا يحدّها منصب ولا تنهيها السنوات.