لندن: محمد الطّورة
الفراية وتصريحاته.. بين النقد الموضوعي والمزايدة الإعلامية
تابعت من مكان إقامتي في لندن، كما يتابع كثير من الأردنيين في الداخل والخارج، ما أُثير خلال الأيام الماضية حول تصريحات وزير الداخلية مازن الفراية لإحدى وسائل الإعلام العربية، وما رافقها من جدل وتعليقات ومزايدت إعلامية وقراءات تجاوزت في بعضها مضمون التصريحات نفسها، لتصل إلى حد تصوير الأمر وكأن الوزير ارتكب إساءة بحق الأردن ومؤسساته، أو أنه اختار المنابر الإعلامية بحثًا عن الظهور والاستعراض.
ومن خلال “موقع العموم نيوز” وبصفتي مواطنًا أردنيًا، لم يدفعني إلى كتابة هذه السطور الدفاع عن شخص معالي الوزير بقدر ما دفعني الشعور بأن من واجبنا، ونحن نتابع ما يُكتب ويُنشر عن وطننا من خارج الحدود، أن نفرّق بين النقد الذي نختلف معه أو نتفق، وبين المبالغة التي تضع التصريح في غير سياقه وتحمله أكثر مما يحتمل.
قرأت ما كُتب، وتوقفت عند العبارات التي استُخدمت في توصيف حديث الوزير عن ارتفاع نسبة إشغال مراكز الإصلاح والتأهيل، وإشارته إلى بدائل التوقيف، ثم قرأت الانتقادات التي طالت جولاته الميدانية إلى جسر الملك حسين، بل واتهامه بصورة أو بأخرى بالبحث عن “الشو” الإعلامي والظهور أمام الكاميرات.
وهنا لا بد من القول وبوضوح إنني لا أرى في ما قاله معالي الوزير خطأ يستوجب كل هذه الضجة، ولا أجد في حديثه ما يسيء إلى الأردن أو مؤسساته، حتى وإن كانت بعض عباراته قد فُهمت على نحو مختلف، أو جرى تفسيرها بطريقة لم يكن الوزير يقصدها.
وهنا تحديدًا يجب التفريق بين ما قاله المسؤول فعلًا، وبين ما يريد البعض أن يفهمه من كلامه.
فالحديث عن وصول نسبة إشغال مراكز الإصلاح والتأهيل إلى مستويات مرتفعة ليس إساءة إلى الأردن، ولا كشفًا لسر من أسرار الدولة، ولا انتقاصًا من أجهزتها. إنه حديث عن واقع وملف موجود، تتعامل معه الدولة ومؤسساتها، والاعتراف بوجود تحدٍ والعمل على معالجته دليل مسؤولية، وليس مادة ينبغي استخدامها للطعن في المسؤول أو الدولة.
كما أن حديث الفراية عن بدائل التوقيف لا يعني، كما حاول البعض الإيحاء، أنه لا يمتلك سوى هذا الحل. فالملفات المرتبطة بمراكز الإصلاح والتأهيل ليست مسؤولية وزارة الداخلية وحدها، وإنما تتقاطع فيها اعتبارات قانونية وقضائية وأمنية وحقوقية، ومن الطبيعي أن تكون البدائل جزءًا من منظومة أوسع للمعالجة.
ثم لماذا يصبح حديث وزير الداخلية عن ملف يقع ضمن اختصاصه موضع استغراب؟
هل المطلوب من المسؤول أن يخفي المشكلة حتى لا يُتهم بالإساءة إلى صورة الأردن؟ أم أن المطلوب أن يتحدث عنها بشفافية، ويشرح للرأي العام ما تقوم به الدولة لمعالجتها؟
الدول القوية لا تخشى الحديث عن التحديات التي تواجهها، والمؤسسات الواثقة من نفسها لا تعتبر الاعتراف بوجود مشكلة إساءة إليها. الإساءة الحقيقية هي تجاهل المشكلة وتركها تتفاقم، لا الحديث عنها والعمل على إيجاد الحلول لها.
أما القول إن مثل هذه القضايا لا تهم المواطن الأردني، وإنها لا تعني سوى منظمات حقوق الإنسان، فهو أمر أختلف معه أيضًا. مراكز الإصلاح والتأهيل جزء من منظومة العدالة والأمن في الدولة، وما يجري فيها يهم المجتمع، مثلما يهم المؤسسات الحقوقية والقانونية. ووزير الداخلية مسؤول أمام الأردنيين عن ملفات وزارته، ومن حقه بل من واجبه أن يتحدث عنها عندما يُسأل.
وحتى القول إن الصحافة المحلية أولى بهذه التصريحات من وسيلة إعلام عربية، يمكن مناقشته، لكن لا يمكن تحويل ظهور وزير أردني عبر وسيلة إعلام عربية يتابعها الملايين إلى تهمة. المسؤول الأردني عندما يظهر أمام الإعلام العربي لا يمثل نفسه، وإنما يقدم رؤية مؤسسات الدولة ويشرح سياساتها، وهذه مساحة يمكن استثمارها بدل التعامل معها باعتبارها خطأ في حد ذاتها.
الفراية و”الشو” الإعلامي
أما الجانب الآخر الذي استوقفني في بعض ما نُشر، فهو الحديث عن زيارات الفراية المتكررة إلى جسر الملك حسين، ووجود فريق إعلامي برفقته، والتقاط الصور له وسط المواطنين، وصولًا إلى وصف المشهد بأنه بحث عن “الشو” الإعلامي.
وهنا أسأل: منذ متى أصبح نزول المسؤول إلى الميدان تهمة؟
إذا بقي الوزير خلف مكتبه قلنا إنه بعيد عن المواطنين ولا يعرف ما يجري على الأرض، وإذا نزل إلى الميدان وتفقد المعابر والتقى الناس قيل إنه يبحث عن الكاميرا!
جسر الملك حسين ليس مكانًا هامشيًا في عمل وزارة الداخلية، بل مرفق حيوي وحساس يعبر من خلاله آلاف المواطنين والمسافرين، وأي مشكلات تتعلق بالإجراءات أو الازدحام أو حركة العبور تستوجب وجود المسؤول ومتابعته الميدانية.
وإذا رافق الوزير فريق إعلامي في زيارة رسمية، فهل يكفي ذلك لاتهامه بالاستعراض؟
في زمن أصبحت فيه المعلومة والصورة جزءًا من العمل العام، من الطبيعي أن توثق المؤسسات الرسمية نشاطاتها وأن يعرف المواطن أين يوجد المسؤول وماذا يفعل. المعيار الحقيقي ليس عدد الصور التي التقطت للوزير، وإنما ماذا فعل في الزيارة، وما المشكلات التي تابعها، وهل انعكس حضوره على مستوى الخدمة المقدمة للناس أم لا.
أما أن نختصر كل ذلك بصورة ونبني عليها اتهامًا بالبحث عن الأضواء، فذلك لا أراه نقدًا منصفًا.
الفراية ابن المؤسسة العسكرية
وربما غاب عن بعض الذين تناولوا شخصية الفراية أن الرجل ابن المؤسسة العسكرية الأردنية التي نعتز بها، وأن وصوله إلى موقع وزير الداخلية لم يكن وليد صدفة أو قرار عشوائي.
لقد عرفه الأردنيون بصورة أوسع خلال جائحة كورونا، عندما تولى مسؤولياته في إدارة ذلك الملف في واحدة من أصعب المراحل التي مرت بها الدولة والمجتمع. يومها كان الرجل حاضرًا أمام الأردنيين في ظرف استثنائي، وكانت طبيعة المهمة تفرض قدرًا عاليًا من الانضباط والقدرة على الإدارة والتعامل مع الأزمات.
ولذلك، فإن تقييم أداء الفراية اليوم يجب أن يستند إلى عمله وقراراته ونتائج الملفات التي يديرها، لا إلى صورة هنا، أو مباراة كرة قدم هناك، أو علاقة اجتماعية مع هذه الشخصية أو تلك.
أما ربط اهتمام الوزير بكرة القدم وحضوره بعض المناسبات الرياضية بواجباته الوزارية، والقول إن عمله بات أقرب إلى وزارة الشباب أو الشؤون الاجتماعية، فأراه غير منصف. فالرياضة جزء أصيل من حياة الأردنيين، وجلالة الملك عبدالله الثاني، الذي يصفه الأردنيون بالرياضي الأول، معروف بشغفه بها، وكذلك سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني. لذلك لا أرى في اهتمام الفراية بالرياضة أو حضوره مباراة أو مناسبة رياضية أمرًا يُؤخذ عليه، فالمعيار الحقيقي هو أداؤه في موقع المسؤولية، لا ما يفعله في أوقات فراغه.
وهذا أيضًا استنتاج يحتاج إلى دليل قبل أن يتحول إلى اتهام.
فالوزير في نهاية المطاف إنسان وله اهتماماته وعلاقاته الاجتماعية، وحضوره مباراة أو مناسبة لا يمكن أن يكون معيارًا لقياس أدائه الوزاري. المعيار هو: هل قصّر في واجباته؟ هل تعطلت ملفات وزارته بسبب تلك الاهتمامات؟ هل توجد وقائع تثبت ذلك؟
إن كانت الإجابة نعم، فلتُعرض هذه الوقائع أمام الناس وليُحاسب عليها. أما بناء الانطباعات على الصور والمناسبات، فلا يكفي لإصدار الأحكام.
وزير الداخلية وهيبة المنصب
أتفق تمامًا مع من يقول إن وزارة الداخلية ليست وزارة عادية. بل أذهب إلى أن موقع وزير الداخلية من أكثر المواقع حساسية في أي دولة، لما يرتبط به من مسؤوليات تتصل بالأمن والإدارة العامة والمحافظات والمعابر وإدارة الأزمات والعلاقة اليومية بين الدولة والمواطن.
أنا مع نقد المسؤول، أي مسؤول، عندما يخطئ، ومع كشف التقصير والتجاوز أينما وجد، فالصحافة التي لا تسأل ولا تنتقد لا تقوم بدورها. لكنني في الوقت نفسه ضد أن يُستل القلم من غمده لمجرد الاختلاف مع مسؤول، ثم تبدأ عملية كيل الاتهامات وتحميل الكلمات ما لا تحتمل.
عندما يصبح المانشيت أكبر من الخبر
مشكلتنا في بعض الأحيان ليست في المعلومة نفسها، وإنما في الطريقة التي تُقدّم بها.
قد يقول المسؤول جملة تحتمل تفسيرًا واضحًا، فيأتي العنوان ليمنحها معنى آخر. ثم يأتي التعليق ليضيف إليها اتهامًا لم يقله صاحب التصريح، وبعد ساعات يصبح الانطباع الذي صنعه العنوان حقيقة متداولة بين الناس.
وهنا تكمن خطورة الصحافة عندما يغيب عنها الإنصاف.
من حق أي موقع أن يختلف مع الفراية، ومن حق أي كاتب أن ينتقده، لكن ليس من حق أحد أن ينسب إلى الرجل ما لم يقله، أو أن يحوّل اختلافًا في تقييم تصريح إلى إيحاء بأنه أساء إلى الأردن في المحافل الدولية.
وأقولها من لندن تحديدًا: صورة الأردن في الخارج لا يحميها إخفاء المشكلات، وإنما تحميها دولة تمتلك مؤسسات قادرة على الحديث عن مشكلاتها ومعالجتها. عندما يقول وزير الداخلية إن هناك اكتظاظًا وإن الدولة تعمل على بدائل وحلول، فأنا لا أرى في ذلك إساءة لصورة الأردن؛ بل أراه إقرارًا بوجود تحدٍ والبحث عن معالجته.
وإذا أسيء فهم بعض ما قاله الوزير، فالنقد يكون بتوضيح الكلام ووضعه في سياقه، لا بمحاكمة النوايا.
لقد آن الأوان لأن نفرق بين الصحافة التي تراقب وتحاسب، والصحافة التي تبحث عن الإثارة؛ وبين عنوان يريد أن يخبر القارئ، وعنوان يريد أن يقوده مسبقًا إلى حكم بعينه.
كما يجب أن نفرق بين نقد المسؤول واستهداف المؤسسة، وبين الاختلاف مع الوزير وتحويله إلى خصومة شخصية.
وإذا كانت هناك مواقع أو أقلام تمتلك وقائع تثبت تقصيرًا أو تجاوزًا، فلتضعها أمام الأردنيين بوضوح، فالوطن لا يحميه التستر على الخطأ، مثلما لا تخدمه الاتهامات والإيحاءات غير المثبتة.
كفى اصطيادًا في الماء العكر، وكفى مانشيتات تحمل في داخلها أحكامًا مسبقة، وكفى تحميلًا لتصريحات المسؤولين أكثر مما تحتمل.
انتقدوا مازن الفراية أو غيره من الوزراء إن كانت لديكم وقائع تستوجب النقد، واسألوهم عن قراراتهم وسياساتهم وأداء وزارتهم، فهذا حق الإعلام والمواطن، لكن لا تجعلوا من زيارة ميدانية استعراضًا لمجرد وجود الكاميرا، ولا من تصريح عن مشكلة قائمة إساءة إلى الوطن.
وبقناعتي الشخصية، فإن الفراية لم يخطئ عندما تحدث عن واقع مراكز الإصلاح والتأهيل، ولم يخطئ عندما تحدث عن البدائل التي تعمل عليها الدولة، كما أن نزوله إلى الميدان ومتابعته لجسر الملك حسين لا يصبح خطأ لأن الكاميرات كانت هناك.
ربما أسيء فهم بعض كلامه، وربما كان بالإمكان تفسير بعض العبارات بأكثر من وجه، لكن هناك فرقًا كبيرًا بين سوء فهم التصريح وبين خطأ صاحبه.
وفي النهاية، مازن الفراية وزير سيأتي يوم ويغادر فيه موقعه، كما غادره من سبقه وسيغادره من يأتي بعده، لكن وزارة الداخلية ستبقى مؤسسة من مؤسسات الدولة، والأردن سيبقى أكبر من الوزير، وأكبر من الكاتب، وأكبر من الموقع الإعلامي، وأكبر من أي مانشيت عابر.
فلنختلف، ولننتقد، ولنحاسب، ولكن بإنصاف.
فالحقيقة لا تحتاج إلى مزايدة، والوطن لا يحتاج إلى من يدافع عنه بالضجيج، بل إلى من يحفظ مؤسساته بالنقد المسؤول والكلمة العادلة.