لندن: محمد الطّورة
ما أجمل أن يكتب الإنسان عن وطنه وهو يعيش بعيداً عن حدوده؛ فالمسافة، وإن أبعدت الجسد، قد تمنح الروح فسحة أوسع للتأمل، وتتيح للمرء أن يرى تفاصيل وطنه بعين أكثر اتساعاً، بعيداً عن ضجيج اليوميات وحسابات المصالح والغايات. وحين يكون الوطن هو الأردن، بما يحمله من تاريخ عريق ومواقف راسخة وقيادة هاشمية أصيلة، يصبح الحديث عنه وفاءً لا ترفاً، والكتابة عنه تعبيراً عن انتماء لا تحدّه المسافات.
والأردن، الذي نعتز به وطناً وهويةً وامتداداً للتاريخ، يستحق منا جميعاً أن نكتب عنه بإنصاف ومحبة، وأن نتوقف عند مسيرة أسرته الهاشمية، ممثلة بجلالة الملك عبدالله الثاني، الذي عرفه الأردنيون قائداً متواضعاً، قريباً من شعبه، يتسع صدره للاختلاف، ويمنح التسامح مكانته في التعامل مع القريب والبعيد. وهي خصال لا تنفصل عن إرث هاشمي عريق يستلهم من سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم قيم الرحمة والحلم ولين الجانب؛ وهي القيم التي عبّر عنها القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159].
ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن الهاشميين ليس استحضاراً لتاريخ فحسب، بل تأمل في مدرسة من القيم والمواقف، وفي قدرة الحكمة والتسامح على تجاوز الصعاب، وصون الروابط، والمضي بثقة نحو المستقبل. فالعظمة لا تتجلى في قوة القرار وحدها، بل أيضاً في سموّ الموقف، وفي القدرة على احتواء الاختلاف، وتقديم ما يجمع على ما يفرّق.
للعائلة الهاشمية في الأردن مكانة صنعتها مسيرة طويلة من المسؤولية والعطاء، ورسّختها روابط التاريخ والانتماء مع الأردنيين. ومثلما تُعرف العائلات العريقة بما تقدمه في أوقات الرخاء، فإن معدنها الأصيل يتجلى أكثر في قدرتها على التعامل مع المحطات الصعبة، بحكمة تحفظ الودّ، وبحلم يعلو فوق العتب، وبإيمان بأن ما يجمع يبقى أقوى مما قد يطرأ من اختلاف.
وفي تاريخ العائلات، كما في تاريخ الأوطان، محطات تتبدل فيها المواقع وتتغير معها الظروف، لكن قيمة الروابط لا تقاس بموقع أو مرحلة، بل بما يبقى من المودة والاحترام وأصالة الانتماء. فالمناصب، مهما علت، تبقى محطات في مسيرة أطول، أما الروابط الإنسانية والعائلية الراسخة فلها مكانتها التي تتجاوز حدود المواقع وتفاصيل المراحل.
وقد علّمنا التاريخ أن الزمن لا يتوقف عند منعطف، وأن الحكمة الحقيقية تكمن في القدرة على استعادة التوازن، وفتح أبواب المستقبل، ومنح الحياة فرصة لتستعيد مسارها الطبيعي. فكثير من الأمور التي شغلت الناس في حينها خفتت مع الأيام، لا لأن أحداً أصرّ على استعادتها، بل لأن الحياة مضت، ولأن العلاقات حين تستعيد دفئها، يصبح الماضي جزءاً من الذاكرة، لا عنواناً للحاضر.
وفي هذا السياق، تتجلى قيمة التسامح بوصفه فضيلة تليق بالكبار؛ فهو لا يحتاج إلى ضجيج كي يُثبت حضوره، ولا إلى إعلان كي تظهر آثاره. وأحياناً تكون أبلغ رسائل الحكمة في احتواء المواقف بهدوء، وصون الروابط بالفعل لا بالقول، وترك الأيام تؤكد أن ما يجمع أبناء الأسرة الواحدة أرسخ من أن تختصره مرحلة عابرة.
ولعل أجمل ما في التجارب الإنسانية أنها تتيح لنا أن نتعلم كيف نغلق الصفحات دون أن ننكر ما فيها، وكيف نحفظ العبرة دون أن نبقى أسرى التفاصيل. فليس ضرورياً أن تظل كل محطة حاضرة في أحاديثنا كي نتذكرها، ولا أن تتكرر روايتها حتى يبقى أثرها؛ إذ يكفي أحياناً أن تمضي الحياة، وأن تستقر الأمور، وأن تستعيد الروابط مكانها الطبيعي، ليصبح المستقبل أحق بالاهتمام من العودة المستمرة إلى الأمس.
والعائلة الهاشمية، بما تمثله من إرث تاريخي ومسؤولية وطنية، تبقى جزءاً من قصة الأردن التي كتبت فصولها بالتلاحم والصبر وتجاوز الصعاب. وهي قصة لا تختزلها محطة واحدة، ولا تنحصر في تفاصيل مرحلة بعينها، بل تستمد معناها من امتدادها، ومن قدرتها على مواصلة المسيرة، ومن بقاء المصلحة الوطنية والاستقرار في صدارة الأولويات.
الهاشميون بكل أفرادهم، والأردنيون بكل أطيافهم ومكوناتهم، عائلة واحدة يجمعها حب الأردن، وتربطها وشائج التاريخ والوفاء والانتماء، وتوحّدها غاية نبيلة هي خدمة الوطن وشعبه العزيز، وصون أمنه واستقراره، والمضي معاً نحو مستقبل أكثر إشراقاً. عائلة واحدة لا تفرّقها المحطات العابرة، ولا تنتقص من أصالة روابطها اختلافات الأيام، بل تزداد تماسكاً كلما انتصرت الحكمة، وتعزّزت قيم التسامح، وتقدّمت المحبة على العتب. فالأردن بيتنا جميعاً، والوفاء له عهد متجدد، والتلاحم بين قيادته وشعبه إرث نصونه ومسيرة نواصلها جيلاً بعد جيل.»
فلنطوِ صفحات الأمس بوعي، لا بإنكار؛ وبحكمة، لا بخصومة. ولنجعل من التلاحم عنواناً، ومن التسامح قوة، ومن المصلحة الوطنية بوصلة لا تحيد. فالأردن يستحق أن نتطلع إلى مستقبله بقلوب متآلفة، لا أن نظل ندور في فلك ماضٍ لا يضيف نبشه شيئاً إلى حاضرنا، ولا يخدم استقراره ومستقبل أجياله.