لندن: محمد الطورة
بين الصمت والضجيج: حكاية إنسان لم يعرف الشهرة ثم واجهها
نادرًا ما نسأل أنفسنا: لماذا نفعل ما نفعل؟
هل تقودنا نوايانا كما نعرفها نحن، أم كما يفسرها الآخرون من زوايا قد لا تشبهنا؟
في كثير من الأحيان، تكون الدوافع بسيطة وصادقة، لكن طريقها يمر عبر عيونٍ تقرأها بشكل مختلف، فتتشكل فجوة بين الحقيقة والتأويل.
في لحظة تأملٍ على ضفاف نهر التايمز في لندن وجدت نفسي أمام هذا السؤال بكل وضوح…
في هذه السطور أرجو أن تصل الفكرة — كما هي — إلى أولئك الذين يفسرون الأمور بغير مقاصدها، علّ المسافة بين النية والفهم تضيق، ولو قليلًا.
في مساءٍ رماديٍّ هادئ، كنتُ أجلس على ضفاف نهر التايمز “River Thames”، حيث ينساب الماء بهدوءٍ يوحي وكأنه يحمل أسرار العابرين قبلي. هناك، في قلب مدينة لندن “London”، مدينة الضباب وعاصمة المملكة المتحدة “United Kingdom”، وجدت نفسي غارقًا في تأملاتٍ عميقة حول الحياة وتقلباتها، بين ما نعيشه وما نظنه.
كنتُ منهمكًا في الكتابة، أُعدّ مقالًا — أو ربما رسالة — لموقع “العموم نيوز”، ذلك المشروع الذي لجأتُ إليه بعد تقاعدٍ امتد لأربعة عقود في الخدمة العامة، حيث لم يكن للظهور أو الشهرة أي حضور في قاموسنا المهني. كنا نعمل بصمت، ونغادر بصمت، وكان الإنجاز هو اللغة الوحيدة التي تُقال دون أن تُكتب.
على المقعد المقابل، جلس رجلٌ في مثل عمري، يحمل صحيفة ورقية وكأس قهوة، بملامح أوروبية هادئة. رفع نظره نحوي وسألني:
“هل أنت من الشرق الأوسط؟”
أجبته: “نعم.”
“من أي بلد؟”
“من الأردن.”
هنا، تغيّر شيء في ملامحه. ابتسم باتساع، وكأنه استحضر ذاكرةً قريبة إلى قلبه، وقال بإعجاب واضح:
“الأردن… بلد جميل.”
ثم بدأ يكيل كلمات الإطراء دون تردد، متحدثًا عن جلالة الملك عبدالله الثاني “King Abdullah II” بإجلال، ومشيرًا إلى الراحل جلالة الملك الحسين “King Hussein “بعبارةٍ حملت احترامًا صادقًا: “طيب الله ثراه”.
وأضاف: “لقد زرتُ الأردن عدة مرات… إنه بلدٌ يترك أثرًا في النفس.”
تحدث عن “Petra “بإعجابٍ خاص، وكأنه لا يزال تحت سحرها، ثم انتقل للحديث عن ما وصفه بـ“روح المكان”؛ عن الحريات التي لاحظها، وعن الناس الذين يعبّرون عن آرائهم دون خوفٍ أو تردد، مقارنةً بما يشاهده في دولٍ أخرى.
وأشاد بالشعب الأردني، واصفًا إياه بالمضياف، الدافئ، القادر على احتواء الغريب وكأنه واحدٌ منه.
ثم ختم فكرته بنبرةٍ تأملية:
“الأردن مستقر… وهذا ليس أمرًا بسيطًا، خاصةً في منطقةٍ تموج بالتحديات.”
تقدّم الحديث بعد ذلك، وسألني: “وماذا تعمل؟”
“أنا متقاعد من الخدمة العامة، ولدي موقع إخباري أحاول من خلاله أن أشغل نفسي ووقتي، وأن أكون امتدادًا لصوت الوطن العربي، وبالأخص الأردن، أنقل أخباره ومواقفه إلى العالم. أعدّ ذلك واجبًا وطنيًا، وردًّا بسيطًا لجميل وطنٍ أكرمني طوال سنوات خدمتي في مؤسساته ودوائره.”
نظر إليّ قليلًا، ثم سأل:
“وما هدفك من ذلك؟”
أجبته بصراحة لم أُخطط لها:
“لملء الفراغ… ولأشعر أنني ما زلت موجودًا.”
ابتسم ابتسامة خفيفة، ثم طرح سؤاله الذي لم يكن عابرًا:
“هل تبحث عن الشهرة؟”
في تلك اللحظة، لم يكن السؤال بسيطًا كما بدا… كان أشبه بمرآةٍ وُضعت أمامي فجأة. لم أستطع الإجابة، ليس لأنني أخفي شيئًا، بل لأنني لم أطرح هذا السؤال على نفسي من قبل.
وهنا، وبين صمت اللحظة وثقل السؤال، عادت بي الذاكرة إلى اللحظة التي فكرت فيها بإطلاق موقعي الإخباري. لم تكن الشهرة يومًا هدفًا، ولا حتى احتمالًا واردًا. كنتُ قد بلغتُ من العمر ما يكفي لأدرك أن الأضواء لا تصنع المعنى، وأن القيمة الحقيقية غالبًا ما تولد في الظل.
لكنني، وعلى الفور، تذكرتُ شيئًا آخر…
تذكرتُ العقبات التي وُضعت أمامي، والعراقيل التي لم أجد لها تفسيرًا واضحًا. كأن دخولي هذا المجال لم يَرُق للبعض، أو ربما أثار حفيظة آخرين لأسبابٍ لم أفهمها. لم أكن أنافس أحدًا، ولم أسعَ لمكانةٍ على حساب أحد، ومع ذلك… وجدت نفسي أدفع ثمنًا لم أختره.
وهنا بدأت الصورة تتضح.
الشهرة ليست دائمًا ما نسعى إليه… بل أحيانًا ما يُنسب إلينا.
والنية الصادقة لا تعني بالضرورة فهمًا صادقًا من الآخرين.
هناك فجوة خفية بين ما نفعله بدافعٍ داخلي، وما يُفسَّر خارجيًا.
نحن نعيش نوايانا… والآخرون يحاكمون ظواهرنا.
قد تبدأ الخطوة بدافعٍ بسيط: أن تملأ وقتك، أن تكتب، أن تبقى حاضرًا…
لكنها، في نظر البعض، قد تُقرأ على أنها سعيٌ للظهور، أو محاولة لاقتناص مكانة، أو حتى تهديد غير معلن.
وهنا يكمن الثمن الحقيقي…
ليس في الشهرة ذاتها، بل في تأويلها.
ليس في الظهور، بل في الطريقة التي يُفهم بها هذا الظهور.
عدتُ بنظري إلى الرجل، ولم أُجب.
لكنني كنت أعلم أنني، في تلك اللحظة، لم أعد الشخص نفسه الذي بدأ الحديث.
أدركت أن الإنسان لا يحتاج أن يسعى إلى الشهرة ليجد نفسه في مواجهتها،
وأن صدق النية لا يعفيه من سوء الفهم،
وأن لكل حضورٍ — حتى وإن كان بسيطًا وصادقًا — ثمنًا قد لا يكون مرئيًا.
غادرتُ المكان، لكن السؤال بقي…
ليس: هل أبحث عن الشهرة؟
بل: هل أستطيع أن أبقى صادقًا مع نفسي… مهما كانت تفسيرات الآخرين؟

