كم مرة استيقظت عمّان؟
سؤال لا أعرف لماذا يراودني كلما وقفت أمام شرفة في الطابق السابع، في الصباح الباكر، ونظرت إلى المدينة وهي تفتح عينيها على مهل.
هل استيقظت مرة واحدة مع أول خيط من الضوء، أم أنها استيقظت مرات كثيرة خلال ربع قرن، كلما ظننا أنها تعبت من الانتظار؟
في الصباح، تبدو عمّان مختلفة.
الشوارع ما تزال هادئة، والضوء الأول ينساب فوق حجارتها البيضاء، والبيوت المعلقة على سفوح الجبال تبدو كأنها تستعيد مواقعها في المشهد بعد ليلة طويلة.
سيارة تعبر شارعاً بعيداً.
عامل يفتح باب متجر.
حافلة تبدأ رحلتها الأولى.
وصوت بائع يأتي من مكان لا أراه.
ومدينة بأكملها تبدأ في استعادة نبضها.
أحب عمّان في هذه الساعة.
لأنها لا تتحدث كثيراً.
تترك للسماء أن تتكلم، وللجبال أن تحتفظ بأسرارها، وللبيوت أن تتذكر الذين خرجوا منها منذ سنوات ولم يعودوا.
ثم ترتفع الشمس قليلاً.
تتسع الحركة.
تزداد السيارات.
وتبدأ المدينة في ارتداء ثوبها اليومي.
وعندما تأتي الظهيرة، يحدث شيء يشبه التحول.
كأن أحداً ضغط على زر خفي.
تمتلئ عمّان بالضجيج.
السيارات تتدفق، الشوارع تضيق، الأصوات تتداخل، وأبواق السيارات تختلط بمحركات الحافلات، ورنين الهواتف، وأصوات الناس الذين يركضون خلف مواعيدهم..ورجل مسن يدفع بعربة خشبية محملة بأشياء فائضة عن الحاجة .
لكنني أسأل نفسي أحياناً:
هل أخذت عمّان فعلاً غفوة الظهيرة؟
أم أنها كانت مستيقظة طوال الوقت، تتظاهر فقط بأنها نامت؟
ربما كانت غفوتها تشبه غفوة الناس؛ عينان مغمضتان، لكن القلب مشغول.
عمّان مدينة لا تنام بسهولة.
حتى حين تهدأ، يبقى في داخلها شيء يتحرك.
حكاية في بيت.
موعد في شارع.
قلق في صدر أم.
وحلم شاب يبحث عن مكان له في هذه المدينة.
ومن الطابق السابع، أرى كل ذلك كمن يشاهد مسرحاً كبيراً.
أناس يصعدون.
آخرون يهبطون.
موظف يحمل حقيبته.
طالب يعبر الشارع.
رجل يقف طويلاً أمام إشارة المرور.
وامرأة تمسك يد طفلها وهي تحاول عبور الطريق.
كل واحد منهم يحمل قصته.
وربما يحمل أيضاً شيئاً من السياسة دون أن يدري.
فالسياسة ليست دائماً في قاعات الاجتماعات.
إنها في تفاصيل الحياة.
في راتب ينتظره موظف آخر الشهر.
في شاب يبحث عن فرصة.
في أم تفكر في مستقبل أبنائها.
في صاحب محل يحاول أن يبقي أبوابه مفتوحة.
وفي مواطن يريد فقط أن يشعر أن الغد لن يكون أثقل من اليوم.
من هنا، من الطابق السابع، تبدو السياسة أحياناً أكثر إنسانية.
تصبح أرقاماً تمشي في الشوارع، وقرارات لها وجوه، وموازنات تتحول إلى حياة يومية.
لكنني لا أريد أن أفسد على عمّان دهشتها بالسياسة.
يكفيني أن أتركها تمر من بعيد، مثل غيمة صغيرة في سماء واسعة.
ثم يحدث شيء آخر.
طائر سنونو يعبر المشهد.
يهبط قريباً من الأرض، يلامسها بخفة، ثم يرتفع قبل أن يصطدم بشيء.
أتابعه بدهشة.
كيف يعرف طريقه؟
كيف يقترب من الأرض إلى هذا الحد، ثم ينجو منها؟
ربما لأن الطيور تعرف ما لا نعرفه نحن.
تعرف متى تقترب، ومتى تبتعد، ومتى تغير اتجاهها قبل فوات الأوان.
أقول في سري:
كم نحتاج نحن أيضاً إلى شيء من خفة السنونو!
أن نعبر المدن دون أن نصطدم بكل ما يعترض طريقنا.
أن نلامس الأرض دون أن نفقد قدرتنا على التحليق.
أن نقترب من الناس دون أن نؤذيهم.
وأن نغادر بعض الأمكنة في الوقت المناسب.
ثم يأتي المساء.
وهنا تبدأ دهشتي الحقيقية.
حين تنحدر الشمس، تتغير المدينة.
الضوء يصبح أكثر ليونة.
الحجارة تأخذ لوناً آخر.
والشوارع التي كانت قبل ساعات تعج بالحركة تبدأ شيئاً فشيئاً في التقاط أنفاسها.
عمّان في المساء لا تشبه عمّان الصباح.
كأن المدينة، بعد يوم طويل من الركض، تجلس قليلاً لتستريح.
أقف عند النافذة.
أنظر إلى الأفق.
وأنتظر دون أن أعرف ماذا أنتظر.
ثم تظهر.
طائرة مدنية تعبر السماء على ارتفاع منخفض نسبياً، متجهة إلى المطار، تتهيأ للهبوط.
لا أعرف لماذا تدهشني الطائرات دائماً.
ربما لأنها تأتي من مكان بعيد، محملة بأشخاص يحمل كل واحد منهم قصة أخرى.
شخص يعود إلى بيته.
آخر يأتي للمرة الأولى.
امرأة تحمل حقيبة صغيرة وذكريات كبيرة.
وطفل ينظر من نافذة الطائرة، ولا يعرف أن المدينة التي تقترب منها ستصبح بعد قليل جزءاً من ذاكرته.
أما أنا، فأظل أتابعها بعيني حتى تقترب من المطار وتختفي.
طائرة واحدة تكفي أحياناً لكي تفتح في الروح أبواباً كثيرة.
أسأل نفسي:
كم مدينة مرّت من تحت هذه الطائرة؟
وكم إنساناً كان ينظر من نافذتها إلى عمّان كما أنظر أنا إليها الآن؟
هل يرى ما أراه؟
هل يرى مدينة من حجر؟
أم يرى بيتاً ينتظره؟
وهل يعرف أن تحت جناحي الطائرة مدينة كاملة، فيها أحلام صغيرة، وخيبات صغيرة، وأناس يحاولون أن يعيشوا يومهم بسلام؟
ثم تختفي الطائرة.
ويبقى صوتها في الذاكرة لحظات.
وتعود عمّان إلى صمتها المسائي.
أحياناً أشعر أن الطائرة ليست طائرة.
إنها فاصلة في جملة طويلة اسمها عمّان.
تفصل بين نهار مضى وليل قادم.
بين مسافر وصل ومسافر غادر.
بين ذاكرة قديمة وحكاية جديدة.
ومن الطابق السابع، أكتشف أنني لا أرى عمّان فقط.
أرى نفسي فيها.
أرى سنوات مضت.
أصدقاء غابوا.
شوارع تغيرت.
وجوهاً كانت تملأ الأمكنة ثم اختفت.
أرى مدينتي وهي تكبر، وأنا أكبر معها.
وربما لهذا تبدو عمّان في المساء أكثر حميمية.
فهي لا تعود مدينة فقط.
تصبح ذاكرة.
وفي هذه الذاكرة شيء من السياسة أيضاً.
حكومات جاءت وذهبت.
أحداث عبرت.
أزمات مرت.
خطابات كثيرة قيلت.
وعناوين تصدرت الصحف ثم غابت.
لكن المدينة بقيت.
والناس بقوا.
تتغير الحكومات، وتبقى الأرصفة.
تتبدل العناوين، وتبقى البيوت.
يتغير الكلام، ويبقى الإنسان يبحث عن حياة يستطيع أن يحبها.
وهذا، في ظني، هو الامتحان الحقيقي لأي مدينة:
أن تستطيع أن تحفظ للإنسان مكانه وسط كل هذا الضجيج.
أن يبقى فيها متسع لحلم شاب.
ولقلق أم.
ولحكاية عجوز.
ولكتاب على طاولة.
ولقهوة صباحية.
ولطائر سنونو يعبر قريباً من الأرض، ثم يواصل طريقه دون اصطدام.
ولطائرة مدنية تعبر السماء في المساء، وتذكرنا بأن العالم أكبر من شوارعنا، وأن خلف الأفق مدناً أخرى، وناساً آخرين، وحكايات لا نعرفها.
عمّان من الطابق السابع ليست هي عمّان التي أعرفها حين أمشي في شوارعها.
هناك، في الأسفل، أكون واحداً من عابرين كثيرين.
أما هنا، فأصبح شاهداً.
أراقب المدينة وهي تستيقظ.
ثم تضج.
ثم تتظاهر بأنها تأخذ غفوة.
ثم تستعيد ضجيجها.
ثم تتعب.
ثم تضيء.
ثم تستسلم لليل.
وفي كل مرة، أكتشف أن المدن لا تُرى بالعين وحدها.
تُرى بما نحمله نحوها من ذاكرة.
ولذلك، حين يمر السنونو مرة أخرى، أو تعبر الطائرة سماء المساء، سأظل واقفاً عند النافذة.
سأتركهما يذهبان.
وأبقى أنا مع عمّان.
مع مدينتي التي لا أعرف كم مرة استيقظت، ولا كم مرة ظنت أنها أخذت غفوة، ولا كم مرة أعادت ترتيب قلبها بعد يوم طويل.
وسأقول في سري:
هذه عمّان…
مدينة تتعب كثيراً، لكنها لا تنام تماماً.
مدينة تحمل على كتفيها حجارتها وذاكرتها وأسئلتها، وتواصل الصعود إلى الغد، جبلاً بعد جبل.
وأنا، من الطابق السابع، لا أفعل أكثر من أن أحبها…
وأراقبها وهي تحاول أن تكون بخير.