لندن: محمد الطّورة
لم يعد قياس قوة الدول في النظام الدولي المعاصر محصورًا في معايير المساحة الجغرافية أو حجم الموارد الاقتصادية والعسكرية، بل بات يرتكز بصورة متزايدة على مستوى التأثير السياسي، والحضور الفاعل في المحافل الدولية، والقدرة على الإسهام الحقيقي في صياغة السياسات العالمية المرتبطة بالأمن والسلم الدوليين. فالدولة المؤثرة هي تلك التي تمتلك رؤية استراتيجية واضحة، وتُحسن توظيف أدواتها الدبلوماسية، وتتمتع بمصداقية سياسية تجعلها شريكًا موثوقًا في إدارة الأزمات وبناء التوافقات الدولية.
وانطلاقًا من هذا المفهوم، يبرز الأردن مثالًا واضحًا لدولة استطاعت، رغم محدودية مواردها الطبيعية وصغر مساحتها، أن تفرض حضورها كفاعل سياسي ودبلوماسي مؤثر على الساحة الدولية. فقد انتهج الأردن، في ظل قيادته الهاشمية الحكيمة، سياسة خارجية قائمة على الاعتدال والاتزان، واحترام مبادئ الشرعية الدولية، وتغليب الحلول السياسية على منطق الصراع، ما أسهم في ترسيخ مكانته كطرف داعم للاستقرار وشريك أساسي في الجهود الدولية الرامية إلى حفظ السلم والأمن.
لقد حافظ الأردن على حضور دائم وفاعل في المؤتمرات والاجتماعات الدولية المعنية بقضايا الأمن الجماعي، وتسوية النزاعات، وبناء السلام، مؤديًا دورًا محوريًا في تقريب وجهات النظر وتعزيز الحوار بين الأطراف المختلفة. كما تميز موقفه بالثبات والوضوح تجاه القضايا العادلة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، حيث واصل جهوده الدبلوماسية دفاعًا عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ودعمًا لحل الدولتين بوصفه الإطار القانوني والسياسي القادر على تحقيق سلام عادل وشامل وفق قرارات الشرعية الدولية.
ويتجسد الاعتزاز الوطني بصورة أوضح عند متابعة التمثيل الأردني الرفيع في أعلى مستويات التفاعل الدولي، بما يعكس المكانة السياسية المتقدمة التي يحظى بها الأردن والاحترام الذي يلقاه دوره في الأوساط الدولية. وقد برز ذلك جليًا يوم أمس في المشهد الدبلوماسي الذي جمع وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حيث جرى التوقيع المشترك على ميثاق مجلس السلام. ولم يكن هذا الحدث مجرد إجراء بروتوكولي، بل عكس ثقة دولية بالدور الأردني، ورسّخ صورة الأردن كشريك فاعل في المبادرات الدولية الهادفة إلى تعزيز الأمن الجماعي وترسيخ أسس السلام والاستقرار إقليميًا ودوليًا.
إن التجربة الأردنية تؤكد أن النفوذ الدولي لا يُبنى بالقوة الصلبة وحدها، بل يتأسس على الدبلوماسية الحكيمة، والقوة الناعمة، والمصداقية السياسية، والقدرة على بناء شبكات علاقات متوازنة تخدم المصالح المشتركة وتحفظ الاستقرار. وسيبقى الأردن، بهذا النهج المتزن وبدوره المسؤول، حاضرًا في الساحات الدولية، وصوتًا عاقلًا يدافع عن قيم السلام والعدل، ومصدر فخر دائم لأبنائه.

