لندن: محمد الطّورة
من ذاكرة دبي… مناشدة للحفاظ على «مبنى تويوتا»
إلى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، حفظه الله،
صاحب السمو الشيخ محمد … تتغير المدن، وتتطور، وترتفع فيها الأبراج وتتبدل ملامح الشوارع، وهذه سنة الحياة. لكن المدن العظيمة لا تبني مستقبلها على حساب ذاكرتها، بل تعرف كيف تمضي إلى الأمام وهي تحتفظ بشواهد من ماضيها، لتروي للأجيال القادمة من أين بدأت وكيف وصلت إلى ما هي عليه.
وقد تداولت في الآونة الأخيرة أخبار عن احتمال هدم المبنى المعروف لدى أجيال من سكان دبي باسم «مبنى تويوتا» على شارع الشيخ زايد، تمهيداً، كما يُقال، لإقامة مشروع جديد مكانه.
وربما يبدو هذا المبنى اليوم متواضعاً إذا ما قورن بالأبراج الشاهقة التي تحيط به، لكنه في ذاكرة دبي ليس مجرد مبنى قديم.
إنه شاهد على مرحلة كاملة من تاريخ المدينة.
عرفت هذا المبنى منذ عقود، يوم كان شارع الشيخ زايد مختلفاً تماماً عما نراه اليوم، وقبل أن يصبح واحداً من أشهر شوارع العالم وأكثرها تميزاً عمرانياً. كان المبنى، الذي يعود إلى سبعينيات القرن الماضي، واحداً من المعالم التي عرفها سكان دبي في مرحلة مبكرة من نهضتها الحديثة، إلى جانب عدد من المباني والمنشآت التي ارتبطت ببدايات التحول الكبير للمدينة مثل بناية الشيخ راشد المركزي التجاري العالمي وفندق الهيلتون.
ثم مرت السنوات، وتغير المشهد من حوله.
ارتفعت الأبراج واحداً تلو الآخر، وامتد العمران، وأصبحت دبي المدينة التي يعرفها العالم اليوم، مدينة تحتضن برج خليفة ومركز دبي التجاري العالمي وعشرات المعالم المعمارية الفريدة.
وبقي «مبنى تويوتا» في مكانه.
ولهذا فإن قيمته اليوم ربما لم تعد في تصميمه أو ارتفاعه أو قيمته العقارية، وإنما في قدرته على رواية قصة المكان.
نحن أبناء الجيل الذي عاش في الإمارات وشاهد دبي قبل أكثر من أربعة عقود، ننظر إلى مثل هذه المباني بطريقة مختلفة. فهي تستعيد في ذاكرتنا صور الشوارع الأولى، والأحياء القديمة، وبدايات النهضة، والأيام التي كانت فيها ملامح المدينة التي نعرفها اليوم لا تزال تتشكل أمام أعيننا.
ومن هنا أتوجه بمناشدة محبة إلى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، حفظه الله، بأن يوجّه الجهات المعنية إلى دراسة الحفاظ على هذا المبنى وعدم هدمه، إن كانت هناك بالفعل خطط لإزالته، والنظر في تسجيله ضمن معالم الذاكرة العمرانية الحديثة لدبي.
إن الأمم والمدن الكبرى في العالم لا تحافظ فقط على القصور والقلاع والمباني التي يعود عمرها إلى مئات السنين، بل تحافظ كذلك على مباني القرن العشرين التي شكّلت محطات مهمة في تطورها. ففي لندن وباريس ونيويورك وغيرها، نجد مباني ربما لا تتميز بضخامتها، لكنها بقيت لأنها تمثل حقبة من تاريخ المدينة وذاكرة سكانها.
ودبي، التي أصبحت نموذجاً عالمياً في صناعة المستقبل، جديرة أيضاً بأن تقدم نموذجاً في الموازنة بين المستقبل والذاكرة.
ولا يعني الحفاظ على «مبنى تويوتا» تعطيل التنمية أو الوقوف في وجه الاستثمار. فالهندسة المعمارية الحديثة قادرة على تقديم عشرات الحلول التي تسمح بتطوير الموقع مع الإبقاء على المبنى، أو واجهته الأصلية، أو دمجه ضمن المشروع الجديد، وإعادة توظيفه ليصبح متحفاً صغيراً لذاكرة شارع الشيخ زايد أو مركزاً يوثق التحولات العمرانية التي شهدتها دبي.
بل ربما يصبح وجود مبنى منخفض وقديم وسط غابة الأبراج الحديثة واحداً من أجمل المشاهد وأكثرها دلالة: هنا كانت البداية، ومن حولها نرى إلى أين وصلت دبي.
إن إزالة المبنى قد لا تستغرق سوى أيام، وإقامة برج جديد مكانه أمر تستطيع دبي أن تفعله بأعلى مستويات الإبداع والجمال. ولكن عندما يهدم شاهد من شواهد الذاكرة، فإن إعادته بعد ذلك تصبح مستحيلة.
الأرض يمكن تطويرها، والمباني الجديدة يمكن تشييدها في أماكن كثيرة، أما الذاكرة فلا يمكن إعادة بنائها إذا هُدمت شواهدها.
يا صاحب السمو،
لقد علمتنا دبي في عهدكم أن المستقبل لا حدود له، وأن المستحيل يمكن أن يصبح واقعاً. ونتمنى أن يكون من بين إنجازات هذه المدينة أيضاً الحفاظ على بعض الشواهد البسيطة التي تحكي للأجيال القادمة قصة البدايات.
نناشدكم أن يبقى «مبنى تويوتا».
ليس لأنه أجمل مباني دبي، ولا لأنه أكبرها، ولكن لأنه واحد من المباني التي كبرت دبي من حولها، وكبر جيل كامل وهو يراه في مكانه.
ليظل واقفاً بين أبراج شارع الشيخ زايد، شاهداً صامتاً على رحلة مدينة انتقلت خلال عقود قليلة من بدايات متواضعة إلى واحدة من أعظم مدن العالم.
ولعل أبناءنا وأحفادنا، عندما يقفون أمامه بعد عقود، يستطيعون أن يقولوا:
هذا المبنى كان هنا قبل معظم هذه الأبراج… ومن هنا بدأت حكاية دبي التي نعرفها اليوم.