لندن: محمد الطّورة
الفساد لا يعرف حدودًا ولا مناصب، وملاحقته يجب أن تبدأ من الداخل وتمتد إلى الخارج لاسترداد الأموال ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته.
تثير قضايا الفساد التي تظهر بين حين وآخر في دول مختلفة، ومنها ما أُثير مؤخرًا في أرمينيا عن إعتقال الرئيس السابق روبرت كوتشاريا، وكذلك النقاش المتواصل في الأردن حول الفساد والمال العام، وآخره ما قاله وزير الإعلام الأسبق صخر دودين اليوم عن الفساد، سؤالًا مهمًا يتجاوز حدود هذه الدول: كيف يمكن محاسبة أصحاب النفوذ عندما تتحول الحصانة أو السلطة أو النفوذ إلى وسيلة تعيق المساءلة؟
فالفساد ليس ظاهرة محلية، وقد أصبح في كثير من الحالات عابرًا للحدود. فالأموال التي يُشتبه في الحصول عليها بصورة غير مشروعة قد تنتقل إلى بنوك خارجية، أو تتحول إلى عقارات واستثمارات، أو تُسجل بأسماء الأبناء والأقارب، أو تختبئ خلف شركات وكيانات يصعب معرفة أصحابها الحقيقيين.
وهنا يجب التأكيد أن الحصانة ليست ترخيصًا للإفلات من القانون، كما أن مجرد امتلاك قريب لمسؤول لعقار أو شركة لا يعني ارتكاب جريمة. لكن عندما تظهر ثروات لا تتناسب مع مصادر الدخل المعروفة، فمن حق الجهات المختصة أن تحقق في مصدرها وفق القانون، مع احترام قرينة البراءة وحقوق الدفاع.
لا أحد فوق المساءلة
إن الملاحقة والمحاسبة يجب ألا تستثني أحدًا، سواء كان رئيس دولة أو وزيرًا أو نائبًا أو مسؤولًا كبيرًا أو موظفًا مهما كان منصبه أو وظيفته، متى توافرت أدلة وشبهات تستوجب التحقيق، وبما يضمن حقوق الجميع أمام القضاء.
فالمساءلة العادلة لا تستهدف أشخاصًا بعينهم، وإنما تؤسس لقاعدة يجب أن تترسخ في وجدان كل مسؤول: أن المنصب العام مسؤولية مؤقتة وليس حصانة دائمة.
وعندما يدرك من يتولى المنصب اليوم أن من سيأتي بعده قد يخضع للمساءلة عن أي تجاوزات ارتكبها، فإن ذلك يشكل رادعًا حقيقيًا، ويجعل احترام المال العام والقانون جزءًا من ثقافة الحكم والإدارة، وليس مجرد شعارات.
ماذا يجب أن تفعل الدول؟
المطلوب هو الانتقال من الحديث عن مكافحة الفساد إلى إجراءات عملية، أهمها:
- تعزيز استقلال القضاء وأجهزة الرقابة ومنحها الصلاحيات والموارد اللازمة.
- التدقيق الفعلي في الذمم المالية لكبار المسؤولين وعائلاتهم، وليس الاكتفاء بالإقرارات الشكلية.
- الكشف عن المستفيد الحقيقي من الشركات والحسابات والاستثمارات.
- التحقيق في الثروات غير المبررة ومصادر الأموال المشبوهة.
- تتبع الأموال التي يتم تحويلها إلى الخارج وتجميدها عند توافر الأساس القانوني.
- التعاون مع الدول والمؤسسات الدولية لاسترداد الأموال التي يثبت قضائيًا أنها ناتجة عن فساد أو نهب للمال العام.
- حماية المبلغين والصحفيين الذين يكشفون قضايا الفساد ضمن الأطر القانونية.
ولا ينبغي أن تتحول مكافحة الفساد إلى تصفية حسابات سياسية أو اتهامات بلا أدلة؛ فالطريق الصحيح هو تحقيق مستقل، وأدلة موثقة، ومحاكمة عادلة، وحكم قضائي، ثم استرداد الأموال غير المشروعة.
إن أموال الشعوب ليست ملكًا لمن استطاع الوصول إليها، كما أن الحدود أو الحسابات الخارجية أو الشركات الوهمية لا ينبغي أن تصبح ملاذًا آمنًا لها.
فالعدالة يجب أن تكون أقوى من الحصانة، والقانون أقوى من النفوذ، والمساءلة يجب أن تطال الجميع دون استثناء، حتى يصبح احترام القانون قاعدة ثابتة لكل من يتولى مسؤولية عامة، ويعرف من يأتي بعده أن المنصب لا يحمي من الحساب.