ما بعد الورق .. هل تولد الصحيفة من جديد؟
في اليوم الذي يصدر فيه هذا المقال، تطوي جريدة “الرياض” نسختها الورقية الأخيرة بعد 61 عامًا من صدور عددها الأول، وتنتقل مع “اليمامة” إلى النشر الرقمي الكامل، ويأتي هذا التحول في وقت أصبحت فيه النسخة المطبوعة تحمل كلفةً تتجاوز ثمن الورق، ووفق تقرير “اتجاهات الصحافة العالمية 2024-2025” أصبحت تكاليف الإنتاج الطباعي تمثل نحو 15% من إجمالي تكاليف المؤسسات المشاركة، ومن ثمّ، فإن المشهد أكبر من استبدال الورق بالشاشة.
كانت “الرياض” خلال العقود الستة الماضية شاهدًا على تحولات المملكة وشريكًا في تفسيرها للمجتمع، فمن مراحل بناء المؤسسات واتساع التعليم والبنية التحتية، إلى التحولات الاقتصادية والاجتماعية، وصولًا إلى رؤية المملكة 2030، راكمت الصحيفة أرشيفًا يختزن كيف تغيّرت المدن والإنسان والدولة والخطاب العام، لذا، يتعلق انتقالها الرقمي بكيفية نقل ذاكرة التنمية السعودية من صفحات محفوظة إلى معرفة رقمية حية، قابلة للبحث والاستعادة وإعادة الاستخدام.
لم يكن الورق عبارة عن وسيلة لإيصال الخبر، وإنما نموذجاً متكاملاً جمع دورة إنتاج يومية، وتوزيعًا جغرافيًا، وإعلانًا تجاريًا، وعادة قراءة مستقرة، وحين فككت المنصات الرقمية هذه المنظومة، فقدت الصحف احتكار الوصول إلى الجمهور، وجزءًا كبيرًا من الإعلان، ثم أصبح الوصول نفسه خاضعًا لخوارزميات لا تملكها.
وتؤكد الاتجاهات العالمية أن الانتقال لم يعد استثناءً، فصحيفة “أتلانتا جورنال-كونستيتيوشن” أوقفت نسختها المطبوعة بعد أكثر من قرن ونصف، ضمن موجة خفّضت فيها صحف كبرى أيام الطباعة أو تحولت كليًا إلى الرقمي، لكن التجارب تكشف أيضًا أن إيقاف الورق لا يصنع التحول تلقائيًا؛ فقد تنتقل الصحيفة إلى الشاشة، لكن تظل غرفة الأخبار تعمل بعقلية “عدد الغد”، ويظل الموقع نسخة متحركة من الصفحة المطبوعة.
ووجد “تقرير الأخبار الرقمية 2026” الصادر عن معهد رويترز في جامعة أكسفورد أن شبكات التواصل والفيديو أصبحت، للمرة الأولى عبر 48 سوقًا، أكثر استخدامًا للأخبار من مواقع المؤسسات الإعلامية وتطبيقاتها 54% مقابل 51%، فيما يُشاهد 77% من الجمهور فيديو إخباريًا عبر الإنترنت أسبوعيًا، أي أن المنافسة بين الصحيفة ومنظومة تتنافس على الوقت والانتباه، من منصات، وصنّاع محتوى، ومحركات إجابة بالذكاء الاصطناعي.
مسألة مهمة أخرى، وهي أن التحول الرقمي نفسه يدخل الآن مرحلة أصعب، خاصة بعدما انخفضت الإحالات العضوية من “غوغل” إلى أكثر من 2500 موقع إخباري عالميًا بنحو الثلث خلال عام واحد، ويتوقع الناشرون تراجع حركة البحث 43% خلال الأعوام الثلاثة المقبلة، وهذا يعني أن بناء المستقبل على الزيارات والإعلان وحدهما يعيد إنتاج التبعية، ولكن في وسيط جديد.
ويضيف الذكاء الاصطناعي طبقة أخرى من الوساطة، إذ يستخدم 10% من الجمهور روبوتات المحادثة للوصول إلى الأخبار، وترتفع النسبة إلى 16% دون الخامسة والثلاثين، وقد يصبح الخبر حاضرًا في الإجابة، بينما تغيب الصحيفة التي أنتجته، ولهذا، سيمتد التحدي المُقبل من الظهور في نتائج البحث، إلى حماية الإسناد، وترخيص المحتوى، وهيكلة الأرشيف والبيانات، حتى تبقى المؤسسة مصدرًا معروفًا، أكثر منها موردًا مجانيًا وغير مرئي لمحركات الإجابة.
ترتبط قدرة الصحيفة الرقمية على بناء علاقة مباشرة ومتكررة مع القارئ، والاشتراك إنما هو نتيجة لقيمة سبق موثوق، وتحقيق أصيل، وتفسير للسياق، وصحافة بيانات، وخدمات معرفية متخصصة، لذلك، ليس مصادفة أن يضع قادة الإعلام عالميًا الاشتراكات والعضوية في صدارة أولويات الإيرادات، مع تنويع الدخل عبر الفعاليات والمنتجات والخدمات.
ومع تراجع الثقة العالمية في الأخبار إلى 37%، تبدو المفارقة لافتة، وهي أن التقنية تضعف بعض مزايا المؤسسات القديمة، لكنها ترفع قيمة أهم ما راكمته الاسم، والمصداقية، والذاكرة، وشبكة المصادر، وهذه أصول تُحمى بتحويل الأرشيف إلى معرفة قابلة للبحث، وإظهار مصادر الخبر، وبناء حضور متعدد الصيغ يجمع النص والفيديو والصوت والرسائل الإخبارية، دون أن يفقد المعايير التحريرية.
وعلى المستوى الوطني المحلي، يمنحنا هذا الانتقال فرصة لإعادة صون الأرشيف كونه جزءًا من الذاكرة الوطنية، وأن آخر نسخة ورقية من “الرياض” ليست نهاية للصحيفة، وإنما نهاية عقد توزيع قديم، أما العقد الجديد، فسيحكم على قدرة الصحافة على أن تصبح رقمية في بنيتها واقتصادها ولغتها، وتثبت أن قيمتها كانت في خبرتها المهنية، ولم تكن –كما يعتقد الكثيرون- في الورق.. دمتم بخير.