لندن: محمد الطًورة – أبو مهند
اليوم، وأنا أجلس على ضفاف نهر التايمز في لندن، وأمام عيني مبنى مجلس العموم البريطاني، كنت أتصفح صفحتي على «فيسبوك»، فوقعت عيني على صورة قديمة ونسخة من جريدة «الرأي» كنت قد احتفظت بها.
استوقفتني الصورة، واستوقفني أكثر عنوانها:
«الملك للشباب: إذا أردتم الإصلاح فارفعوا صوتكم ولا تصمتوا».
وجدت نفسي أتأمل هذه العبارة وأنا أجلس أمام مبنى مجلس العموم البريطاني، الذي يمثل في الذاكرة السياسية البريطانية واحدًا من أبرز رموز العمل البرلماني والنقاش العام.
لم تكن مصادفة المكان هي التي دفعتني إلى الكتابة، وإنما ما تحمله العبارة الملكية من معنى واضح: أن الإصلاح يحتاج إلى مواطن يتحدث بحرية تامة، ويقترح، وينتقد بمسؤلية وطنية، وينبه إلى مواطن الخلل، بدل أن يختار الصمت.
ولفتني في الصورة أيضًا أن دولة الدكتور جعفر حسان، رئيس الوزراء الحالي، كان يجلس إلى جانب جلالة الملك في ذلك اللقاء. ، ولذلك كان حاضرًا بشكل مباشر عندما وجه جلالته هذه الدعوة إلى الشباب.
وليعذرني من يعرفني من أصدقائي أبناء جيلي، فقد قررت أن أجد لنفسي مكانًا بين الشباب في هذه الدعوة الملكية!
وهنا أجد لزامًا عليّ أن أستحضر تجربة شخصية أعتز بها. فعندما كنت على رأس عملي في السفارة الأردنية في لندن، لم أعتبر موقعي الوظيفي مبررًا للصمت، بل مارست حقي في إبداء الرأي كلما رأيت قرارًا أو إجراءً يمس حقوق الموظفين أو مصالحهم.
وكانت صفحات «فيسبوك» آنذاك وسيلتي المتاحة للتعبير، فاخترت أن أستخدمها بمهنية ومسؤولية؛ أكتب بوضوح، وأنتقد القرار دون الإساءة إلى صاحبه، وأطرح الملاحظة دون تجريح، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن الدفاع عن الحق لا يحتاج إلى إساءة، وأن النقد المسؤول لا ينتقص من احترام الدولة ومؤسساتها.
وفي السياق ذاته، وبعد استقالتي من العمل في السفارة الأردنية في لندن، كنت قد أعددت العدة لإطلاق مشروعي الإعلامي «العموم نيوز» من عاصمتنا الحبيبة عمّان، ليكون منبرًا إعلاميًا أردنيًا يعبّر عن قضايا الشباب، ويمنحهم المساحة التي دعاهم جلالة الملك إلى استخدامها: مساحة الكلام، والنقاش، وطرح الرأي، والمطالبة بالإصلاح.
إلا أن المشروع واجه، قبل صدوره من عمّان، عددًا من العراقيل والإجراءات التي حالت دون إطلاقه بالصورة التي كنت أطمح إليها، الأمر الذي اضطرني في نهاية المطاف إلى نقل المشروع إلى لندن وإصداره من هناك.
ولم يكن اختيار لندن بالنسبة لي مجرد انتقال جغرافي لمشروع إعلامي، وإنما كان استمرارًا للمشروع نفسه، وللفكرة التي آمنت بها منذ البداية: أن يكون هناك صوت إعلامي عربي أردني مهني يفتح المجال أمام الرأي، ويطرح الأسئلة، وينقل قضايا الناس، ويمنح الشباب مساحة حقيقية للتعبير عن آرائهم.
ولهذا، عندما أعود اليوم إلى دعوة جلالة الملك للشباب بأن «يرفعوا صوتهم ولا يصمتوا»، أجد أن هذه العبارة تلامس تجربتي الشخصية بصورة مباشرة؛ فقد حاولت أن أجعل من الإعلام وسيلة لهذا الصوت، وحاولت أن يكون «العموم نيوز» منبرًا يستجيب لهذه الدعوة الملكية، حتى وإن اضطررت في النهاية إلى إطلاقه من لندن بدلًا من عمّان.
ولأنني أتحدث هنا عن رفع الصوت من واقع تجربة، فإنني لا أكتب عن الأمر من موقع المراقب فقط.
فأنا شخصياً طالني، كما طال عددًا من زملائي، أثر قرارات صدرت عن بعض مؤسسات الدولة، ترتب عليها حرماننا من حقوق مكتسبة كفلها القانون. وكان لي شخصيًا نصيب من هذا الأمر، ولم يكن الطريق إلى استرداد حقي قصيرًا أو سهلًا، بل استمر النزاع خمس سنوات كاملة، انتهت بصدور حكم قضائي أنصفني وأعاد إليّ حقي.
ولم تكن هذه القضية شأنًا شخصيًا مجهولًا أو أمرًا جرى بعيدًا عن أعين المعنيين؛ فقد كان الوزير وكبار المسؤولين وموظفو الوزارة والسفارة، على اختلاف مواقعهم ومسمياتهم الوظيفية، على علم بتفاصيلها ومتابعين لتطوراتها. بل إن عددًا من رجالات الدولة الذين تربطني بهم علاقات صداقة قويه توطدت بشكل كبير من خلال عملي في السفارات في مجالي المراسم والتشريفات كانوا هم أيضاً مطلعين عليها، وكان بعضهم، في أحاديثهم ومواقفهم الشخصية، يتفهم موقفي ويؤيد ما كنت أطالب به.
ومع ذلك، فإنني لا أحمّل أيًا منهم مسؤولية عدم التدخل أو تقديم المساعدة لي في ذلك الوقت، بل على العكس، أتفهم ظروفهم وأعذرهم؛ فقد كانت مواقعهم الوظيفية ومناصبهم الرسمية تفرض عليهم حدودًا لا يستطيعون تجاوزها، وكان أي تدخل منهم يمكن أن يُفهم على أنه تعارض مع مسؤولياتهم ومواقعهم.
ولهذا لم أطلب من أحد أن يفعل ما لا يستطيع فعله، ولم أحمل في نفسي تجاه أي منهم عتبًا. كنت أعرف أن لكل موقع مسؤولياته وحدوده، وأن بعض الذين تمنوا مساعدتي لم تكن لديهم القدرة على تقديمها دون أن يضعوا أنفسهم في موقف يتعارض مع واجباتهم الرسمية.
ولهذا اخترت الطريق الذي بقي متاحًا أمامي: أن أرفع صوتي، وأن أتمسك بحقي، وأن أحتكم إلى القضاء.
وبعد خمس سنوات من الانتظار والمطالبة، جاء الحكم القضائي لينصفني ويعيد إليّ حقي.
ومن هنا، وفي هذا المقام تحديدًا، لا يسعني إلا أن أوجه ألف تحية واحترام إلى رجال القضاء الأردني النزيه والعادل، الذي أنصفني بعد سنوات من الانتظار، وأثبت لي أن حق المواطن في مملكة الهاشميين يجد من يحميه عندما يحتكم إلى القضاء، وأن العدالة، مهما طال طريق الوصول إليها، تبقى الملاذ الذي يعيد الحقوق إلى أصحابها.
وأذكر هذه التجربة اليوم تحديدًا لأنها تجعلني أكثر فهمًا لمعنى الدعوة الملكية:
«ارفعوا صوتكم ولا تصمتوا».
فقد رفعت صوتي، ليس للإساءة إلى أحد، وإنما للدفاع عن حق اعتقدت أنه يستحق الدفاع عنه، وحين اختلفت الآراء كان الفيصل في النهاية هو القضاء.
ومن هنا أعود إلى الدعوة الملكية التي استوقفتني اليوم.
جلالة الملك قال للشباب بوضوح:
«إذا أردتم الإصلاح فارفعوا صوتكم ولا تصمتوا».
وأنا أرى أن هذه الدعوة تحمل مسؤوليتين متلازمتين:
المسؤولية الأولى تقع على المواطن، بأن يتحدث بوعي ومسؤولية، وأن تكون ملاحظاته مبنية على معلومات، وأن يكون هدفه الإصلاح لا الإساءة.
والمسؤولية الثانية تقع على المؤسسات، بأن تستمع إلى هذه الآراء، وأن تتعامل مع النقد بجدية، وأن تتيح للمواطن القنوات التي يستطيع من خلالها إيصال رأيه وملاحظاته إلى المسؤولين.
وأعتقد أن هذا هو المعنى العملي لدعوة جلالة الملك إلى رفع الصوت.
فليس المطلوب أن يتحدث المواطن لمجرد الحديث، وإنما أن تكون هناك قنوات واضحة ومحترمة يسمع من خلالها المسؤول رأي المواطن وملاحظاته واقتراحاته وشكواه.
وبالنسبة لي، فإن السؤال الذي أحمله معي من تلك الصفحة القديمة ليس سؤالًا موجهًا إلى شخص بعينه، وإنما هو أمنية بسيطة ومباشرة:
أن يتمكن المواطن الأردني، عندما تكون لديه ملاحظة أو نقد أو اقتراح يتعلق بالشأن العام، من إيصال ذلك إلى الجهات المعنية، وأن يجد من يستمع إليه ويتعامل مع ما يقوله بجدية.
هذا هو الإصلاح الذي أفهمه من دعوة جلالة الملك.
وسأبقى أرفع صوتي كلما اعتقدت أن هناك ما يستحق أن يقال، وسأحرص أن يكون ذلك الصوت مسؤولًا ومحترمًا وموجهًا إلى خدمة الأردن.
فأنا لا أرى أن النقد يتعارض مع الانتماء، ولا أن التنبيه إلى الخطأ يعني الوقوف ضد الدولة.
على العكس، أعتقد أن من حق الوطن على أبنائه أن يقولوا ما يرونه صحيحًا، ومن واجب المؤسسات أن تستمع إلى ما يقولون.
ولهذا، وأنا أنظر اليوم إلى مجلس العموم البريطاني، وأتصفح تلك الصفحة القديمة من «الرأي»، أعود إلى كلمات جلالة الملك:
«إذا أردتم الإصلاح فارفعوا صوتكم ولا تصمتوا».
وأقول بكل بساطة:
سنرفع الصوت كما طلب جلالتكم، وسنحرص أن يكون صوتًا مسؤولًا، ونأمل أن يجد دائمًا الطريق إلى من يستطيع أن يسمعه ويتعامل معه.
هذه هي رسالتي، لا أكثر ولا أقل.
صوت مواطن يؤمن بالأردن، ويؤمن بالإصلاح، ويؤمن بأن الكلمة المسؤولة يمكن أن تكون جزءًا من الحل.
حمى الله الأردن الغالي وحفظ قيادته الهاشمية المظفرة