لم تعد صورة الولايات المتحدة في العالم كما كانت قبل عقود. فالدولة التي قدّمت نفسها طويلًا باعتبارها نموذجًا للحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، باتت تواجه في مناطق واسعة من العالم نظرة مختلفة، يغلب عليها الشك والريبة، وأحيانًا الرفض والغضب.
وفي العالم العربي والإسلامي تحديدًا، لا يمكن فهم هذه الصورة من خلال موقف عابر أو أزمة سياسية واحدة، وإنما من خلال تراكم طويل من الأحداث والسياسات التي تركت أثرًا عميقًا في الذاكرة الشعبية.
* فلسطين.. الجرح المفتوح
تبقى القضية الفلسطينية في مقدمة أسباب تراجع صورة الولايات المتحدة عربيًا وإسلاميًا.
فالدعم الأمريكي التاريخي لإسرائيل، واستخدام واشنطن نفوذها السياسي والدبلوماسي في محطات عديدة لحماية إسرائيل، جعلا قطاعات واسعة من العرب والمسلمين يرون الولايات المتحدة طرفًا غير محايد في الصراع.
وتزداد مشاعر الغضب كلما ارتفعت أعداد الضحايا المدنيين في الحروب، بينما يبدو الموقف الأمريكي، في نظر منتقديه، عاجزًا أو مترددًا في ممارسة ضغط حقيقي من أجل وقف الحرب وحماية المدنيين.
وهنا لا يعود السؤال متعلقًا فقط بالسياسة الأمريكية، وإنما بصورة العدالة نفسها في عيون الشعوب.
* العراق.. ذاكرة لم تنتهِ
ثم جاءت حرب العراق عام 2003 لتترك جرحًا آخر في الذاكرة العربية.
فالغزو الأمريكي أسقط نظام صدام حسين، لكنه فتح أيضًا الباب أمام سنوات من الفوضى والعنف والانقسام، وأدى إلى انهيار مؤسسات الدولة وتداعيات سياسية وأمنية واجتماعية لا تزال آثارها حاضرة في المنطقة.
ومنذ ذلك الوقت، ترسخ لدى كثيرين اعتقاد بأن القوة الأمريكية تستطيع إسقاط الأنظمة، لكنها لا تملك دائمًا تصورًا واضحًا لما سيأتي بعد ذلك.
* أفغانستان.. عشرون عامًا وسؤال النهاية
وفي أفغانستان، امتدت الحرب الأمريكية نحو عقدين، قبل أن تنتهي بالانسحاب الأمريكي عام 2021.
المشهد الذي رافق الانسحاب، وما صاحبه من فوضى ومشاهد مؤلمة، أعاد طرح سؤال كبير حول جدوى التدخل العسكري الطويل، وحول ما إذا كانت القوة العسكرية قادرة وحدها على صناعة الاستقرار والديمقراطية.
ازدواجية المعايير
لكن المشكلة، في نظر كثير من منتقدي السياسة الأمريكية، لا تتوقف عند الحروب.
هناك شعور واسع في بعض المجتمعات العربية بأن واشنطن تتعامل مع مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان بمعايير مختلفة، فتنتقد انتهاكات في دولة، بينما تبدو أكثر تساهلًا مع انتهاكات في دولة أخرى إذا كانت حليفة أو ذات أهمية استراتيجية للولايات المتحدة.
ومن هنا تكررت في الشارع العربي فكرة أن المصالح الأمريكية تأتي قبل المبادئ التي تعلنها واشنطن.
وقد يكون هذا الحكم قاسيًا، لكنه يعكس حجم أزمة الثقة بين الولايات المتحدة وقطاعات واسعة من الرأي العام العربي والإسلامي.
* ما الذي نريده من أمريكا؟
وأذكر هنا موقفًا شخصيًا لا يزال عالقًا في ذاكرتي.
ففي عام 2010، وخلال مؤتمر صحفي جمعني بالسفير الأمريكي في الأردن، قلت له بوضوح إن العالم العربي لا يحتاج من الولايات المتحدة دعمًا لبناء المساجد والكنائس؛ فنحن، والحمد لله، لدينا ما يكفينا من دور العبادة، ولا نحتاج إلى من يبني لنا أماكن صلاتنا.
وقلت له أيضًا إننا لا نحتاج إلى القرطاسية والمساعدات البسيطة، فلدينا ما نحتاجه منها، ويمكن أن نحصل عليها من الصين وغيرها بأسعار تشجيعية.
ثم قلت له إن ما يحتاجه العالم العربي حقًا من أمريكا هو موقف سياسي واضح من التمرد الإسرائيلي والاحتلال في فلسطين؛ موقف لا تنحاز فيه واشنطن إلى الاحتلال على حساب الشعب الفلسطيني، ولا تكتفي بإدارة الأزمة بينما يستمر أصل المشكلة.
كان جوهر حديثي أن الشعوب العربية لا تنتظر من أمريكا أن تعلّمها كيف تبني مسجدًا أو كنيسة، ولا أن تمنحها بعض المساعدات الرمزية، وإنما تنتظر منها أن تستخدم وزنها السياسي الهائل في الدفاع عن العدالة، وأن تقول بوضوح إن الاحتلال لا يمكن أن يكون أمرًا طبيعيًا أو دائمًا.
ولعل هذه الواقعة تختصر جانبًا مهمًا من أزمة الصورة الأمريكية في المنطقة: المشكلة ليست في حجم المساعدة التي تقدمها أمريكا، وإنما في الموقف السياسي الذي تقفه.
فحين يشعر المواطن العربي أن واشنطن تستطيع أن تفعل الكثير، لكنها لا تفعل ما يراه هو جوهر العدالة، فإن أي مساعدات أخرى، مهما كانت قيمتها، تفقد الكثير من معناها السياسي والإنساني.
* وأوروبا أيضًا لديها حساباتها
أما أوروبا، فالصورة أكثر تعقيدًا.
فالأوروبيون ليسوا كتلة سياسية واحدة، وهناك اختلافات كبيرة بين الحكومات والشعوب في نظرتها إلى الولايات المتحدة.
ومع ذلك، فقد ساهمت حرب العراق، والخلافات التجارية، والانسحاب الأمريكي من بعض الاتفاقيات الدولية في مراحل مختلفة، وسياسات بعض الإدارات الأمريكية تجاه الحلفاء الأوروبيين، في تعزيز نقاش أوروبي حول ضرورة امتلاك قدر أكبر من الاستقلال الاستراتيجي.
كما أن سياسات إدارة دونالد ترامب الأولى تجاه حلف شمال الأطلسي والعلاقات التجارية مع أوروبا أثارت قلقًا لدى حلفاء واشنطن، ودفعت بعض العواصم الأوروبية إلى إعادة التفكير في مدى اعتمادها على المظلة الأمريكية.
هل هي كراهية لأمريكا؟
مع ذلك، فإن القول إن العرب والمسلمين والأوروبيين «يكرهون أمريكا» يحتاج إلى قدر من الدقة.
فهناك ملايين العرب والمسلمين الذين يعيشون في الولايات المتحدة أو يدرسون فيها أو يعملون مع مؤسساتها، وهناك تقدير واسع للمجتمع الأمريكي وللجامعات والعلوم والتكنولوجيا والثقافة الأمريكية.
كما أن الولايات المتحدة ما زالت تحتفظ بجاذبية اقتصادية وثقافية كبيرة حول العالم.
إذن، قد يكون الخلاف في كثير من الأحيان مع السياسة الأمريكية وليس مع الشعب الأمريكي.
وهنا تكمن المفارقة: قد يرفض الإنسان العربي سياسة واشنطن في الشرق الأوسط، لكنه يستخدم التكنولوجيا الأمريكية، ويتابع السينما الأمريكية، ويرغب في الدراسة في جامعاتها أو زيارة مدنها.
* القوة لا تكفي لصناعة المحبة
المشكلة الأساسية ربما تكمن في الطريقة التي تستخدم بها القوة الأمريكية.
فالقوة تستطيع فرض العقوبات، وإسقاط الأنظمة، وتغيير موازين القوى، لكنها لا تستطيع وحدها صناعة الثقة.
والاحترام الدولي لا يُبنى بالقوة العسكرية فقط، وإنما بالعدالة والاتساق والقدرة على الاعتراف بالأخطاء واحترام إرادة الشعوب.
قد تستطيع دولة عظمى أن تجعل الآخرين يخافون منها، لكنها لا تستطيع أن تجبرهم على محبتها.
وهنا ربما تكمن المعضلة الأمريكية الحقيقية.
السؤال الأهم
لذلك، فإن السؤال الأهم ليس:
لماذا يكره البعض أمريكا؟
بل:
لماذا فقدت أمريكا جزءًا من قدرتها على إقناع الآخرين بأنها تستخدم قوتها من أجل نظام دولي أكثر عدلًا؟
الإجابة عن هذا السؤال لا تحتاج إلى مزيد من القوة، وإنما إلى مراجعة عميقة للسياسات.
فالعالم لا يحتاج إلى دولة عظمى تفرض احترامها بالقوة، بقدر ما يحتاج إلى دولة عظمى تجعل الآخرين يحترمونها حتى عندما يختلفون معها.
وعندما تتراجع الثقة، لا تكفي القوة لاستعادتها.