لندن: محمد الطّورة
إغلاق أبواب المسؤولين أمام الرأي الآخر.. هل يدفع بعض المسؤولين السابقين إلى الإعلام؟
كثر في السنوات الأخيرة بروز ظاهرة يمكن وصفها بأنها دخيلة على طبيعة العمل العام في المجتمع الأردني، تتمثل في خروج بعض كبار المسؤولين السابقين عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، للحديث بصورة حادة عن مؤسسات الوطن وانتقاد أداء بعض الجهات التي كانوا في يوم من الأيام جزءاً من منظومتها وصنع القرار فيها.
وبعيداً عن تقييم ما يطرحه هؤلاء المسؤولون، وعن مدى صواب أو خطأ انتقاداتهم، فإن الظاهرة تستحق التوقف عندها ومحاولة فهم أسبابها، لا الاكتفاء بإدانتها بعد وقوعها.
فبعض هؤلاء المسؤولين أمضوا سنوات طويلة في العمل العام، وراكموا خلال تلك السنوات خبرات وتجارب ومعرفة بتفاصيل العمل الحكومي ومواطن الخلل فيه. وربما كانت لديهم، أثناء وجودهم في مواقع المسؤولية، ملاحظات وانتقادات وأفكار لم يتمكنوا من طرحها بالشكل الذي كانوا يرغبون فيه، سواء بسبب طبيعة المناصب التي شغلوها، أو بسبب حساسية المرحلة، أو لأن أبواب بعض أصحاب القرار لم تكن مفتوحة بالقدر الكافي لسماع الرأي المختلف.
وعندما يغادر المسؤول موقعه، وقد تراكمت في داخله هذه الملاحظات، ثم يجد نفسه غير قادر على إيصالها إلى أصحاب القرار، قد يلجأ إلى وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي باعتبارها المنبر المتاح أمامه للتعبير عما يعتقد أنه أخطاء أو اختلالات.
وهنا لا بد من التأكيد بوضوح: فهم الأسباب لا يعني تبرير الأسلوب.
فانتقاد مؤسسات الدولة وجلدها أمام الرأي العام، أو تقديم صورة سلبية عنها عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل، ليس الطريق السليم لمعالجة الأخطاء، خصوصاً عندما يصدر ذلك عن أشخاص كانوا في يوم من الأيام جزءاً من هذه المؤسسات وتولوا مسؤولية الحفاظ على هيبتها وتطوير أدائها.
لكن في المقابل، فإن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون فقط بمطالبة المسؤول السابق بالصمت، ولا بتوجيه اللوم إليه بعد خروجه إلى الإعلام، وإنما تبدأ من معالجة الأسباب التي قد تدفعه إلى ذلك.
ومن هنا، فإن الرسالة الأهم يجب أن توجه إلى أصحاب القرار والمسؤولين الذين يجلسون اليوم على الكرسي الذي جلس عليه غيرهم بالأمس: لا تغلقوا أبواب مكاتبكم أمام أصحاب الخبرة، حتى وإن اختلفتم معهم.
فالمسؤول السابق، مهما اختلفنا معه، يمثل في جانب من الجوانب مخزوناً من الخبرة والتجربة. وقد تكون لديه ملاحظات جديرة بالدراسة، وقد يكون على خطأ، وفي الحالتين فإن الاستماع إليه لا يعني الأخذ برأيه، وإنما يعني منح الفكرة فرصة للتقييم قبل رفضها أو قبولها.
إن فتح قنوات التواصل مع المسؤولين السابقين وأصحاب الخبرة، والاستماع إلى ملاحظاتهم بعيداً عن الإعلام، يمكن أن يكون وسيلة مهمة لاكتشاف الأخطاء قبل أن تتكرر، والاستفادة من التجارب السابقة، وتجنب الوقوع في مشكلات سبق أن واجهتها مؤسسات الدولة.
ولعل الأهم من ذلك كله أن يشعر المسؤول، أثناء وجوده في موقعه وبعد مغادرته، بأن هناك من يسمع رأيه ويحترم تجربته، حتى لو لم يتفق معه.
الدولة القوية ليست تلك التي لا ينتقدها أحد، وإنما تلك التي تمتلك القدرة على الاستماع إلى النقد، والتمييز بين النقد البناء والتجريح، ثم الاستفادة من الأول ومواجهة الثاني بالوسائل المناسبة.
ولذلك، فإن المطلوب اليوم ليس فتح الأبواب أمام المسؤولين السابقين لمجرد الاستماع إليهم، ولا منحهم حصانة من النقد، وإنما بناء ثقافة مؤسسية تقوم على أن الرأي الآخر ليس تهديداً للمسؤول، وأن الاستماع إلى المخالف لا يعني بالضرورة الموافقة عليه.
فربما كان جزء من المشكلة يبدأ عندما تُغلق الأبواب في وجه صاحب الخبرة، ثم تُفتح أمامه الكاميرات والميكروفونات.
وعندها قد يصبح ما كان يمكن أن يكون ملاحظة داخل مكتب المسؤول، قضية مطروحة أمام الرأي العام.
لذلك، إذا كنا نريد الحد من هذه الظاهرة، فعلينا أن نبدأ من جذورها: أبواب مفتوحة، وآذان صاغية، ونقاش هادئ داخل مؤسسات الدولة، ومسؤول يؤمن بأن الاستماع للرأي الآخر جزء من المسؤولية وليس انتقاصاً منها.
فالأخطاء التي لا نسمع عنها داخل الغرف المغلقة، قد نسمع عنها لاحقاً على شاشات التلفزيون ومنصات التواصل الاجتماعي، بعد أن يكون إصلاحها أكثر صعوبة وكلفة.