لندن: محمد الطّورة
لا تغتر بالسلطة… فكم من متجبر انتهى خلف القضبان
“إلى كل من يتولى سلطة، أياً كان موقعه أو حجم نفوذه: لا تغتر بالكرسي ولا بقوة المنصب. فالسلطة عابرة، والحماية ليست أبدية، ومن يخشاك اليوم قد يصبح غداً قادراً على محاسبتك. وتذكّر أن الأيام دول، وأن من يملك القوة اليوم قد يقف غداً أمام من كان يظنه عاجزاً عن الوصول إليه.”
ولعل ما يجري في سوريا اليوم يحمل رسالة بالغة الوضوح لكل صاحب سلطة في أي مكان. فما نسمعه ونقرأه عن ملاحقة واعتقال ومحاكمة بعض رموز النظام السابق، وما يتكشف من ملفات تتعلق بالانتهاكات واستغلال النفوذ والمال والسلطة، ليس مجرد أحداث تخص مرحلة سياسية انتهت، بل هو درس ينبغي أن يتوقف عنده كل من يملك شيئاً من القوة أو القرار.
ليس المقصود التشفي بأحد، ولا الدعوة إلى الانتقام، وإنما استخلاص العبرة. فالتاريخ مليء بأشخاص ظنوا أن أنظمتهم لن تسقط، وأن مناصبهم ستبقى، وأن علاقاتهم ستحميهم، وأن الملفات التي أغلقوها لن تُفتح، وأن الأشخاص الذين ظلموهم لن يستطيعوا يوماً أن يرفعوا أصواتهم. ثم تغيرت الأيام.
كم من شخص كان بالأمس يأمر وينهى، يمنح ويمنع، يفتح الأبواب ويغلقها، وربما يملك القدرة على سلب إنسان حقه أو كرامته، وكان يظن أن ما يفعله سيمر وينتهي بانتهاء الموقف. لكنه نسي أن السلطة مهما بلغت قوتها مؤقتة، وأن الإنسان قد يفقد منصبه في لحظة، بينما يبقى أثر ما فعله سنوات طويلة.
المشكلة تبدأ عندما يخلط المسؤول بين هيبة المنصب وهيبته الشخصية، وبين صلاحيات الدولة وصلاحياته الخاصة. فالرتبة ليست رخصة لإهانة الناس، والوظيفة ليست تصريحاً للاستيلاء على المال العام، والنفوذ ليس حقاً في الانتقام من الخصوم، والقوة الأمنية أو العسكرية ليست وسيلة لإسكات كل من يعترض.
والأخطر من ذلك أن الإنسان قد يعتاد التجاوز شيئاً فشيئاً؛ يبدأ بمجاملة صغيرة، ثم واسطة، ثم منفعة، ثم استغلال للصلاحيات، ثم مال، ثم ظلم، حتى يصبح مقتنعاً بأن كل شيء مباح ما دام لا أحد يستطيع محاسبته. وهنا تتحول السلطة من مسؤولية إلى وسيلة للفساد، ويصبح صاحبها أسيراً للخوف من فقدانها.
لكن السؤال الذي ينبغي أن يرافق كل صاحب سلطة هو: ماذا لو تغيرت موازين القوة؟ وماذا لو اضطررت يوماً إلى الوقوف أمام القانون أو أمام الناس لتجيب عن كل ما فعلت؟
المال الذي جُمع بغير حق قد يصبح دليلاً، والقرارات التي ظُن أنها نُسيت قد تبقى في الملفات، والوثائق التي اعتقد صاحبها أنها اختفت قد تظهر، والشهادات التي كان أصحابها يخافون الإدلاء بها قد تُقال عندما تتغير الظروف.
لذلك، فإن أعظم امتحان للسلطة ليس أن تكون قادراً على الظلم، وإنما أن تكون قادراً عليه ثم تختار العدل. أن تستطيع الانتقام ثم تعفو، وأن تستطيع إذلال إنسان ثم تحفظ كرامته، وأن تستطيع أخذ ما ليس لك ثم ترفض.
وما يحدث في سوريا اليوم ينبغي ألا يكون مناسبة للشماتة، بل للتأمل. فالمسؤول العاقل لا ينتظر سقوط النظام أو تغير السلطة حتى يدرك أن الظلم عاقبته وخيمة، ولا ينتظر أن يُفتح ملفه حتى يبدأ في مراجعة نفسه. بل يراجع نفسه وهو في موقع القوة، قبل أن يضطر إلى مراجعة أفعاله أمام الآخرين.
إلى كل من يتولى سلطة اليوم: راجع قراراتك، راجع أموالك، راجع الطريقة التي تعاملت بها مع الناس، وتذكر كل إنسان ظلمته لأنك كنت قادراً على ظلمه. لا تجعل أبناءك يوماً يدفعون ثمن أخطاء ارتكبتها وأنت تظن أنك محمي، ولا تجعل اسمك مرتبطاً بالخوف والفساد والاستغلال.
فالكرسي له نهاية، والرتبة لها نهاية، والنفوذ له نهاية، والحماية لها نهاية. أما أثر ما فعلته بالناس فقد يبقى.
ولهذا فإن القوة الحقيقية ليست أن يخافك الناس وأنت في منصبك، وإنما أن يحترموك بعد أن تغادره.
فاحذر يا صاحب السلطة… فما تفعله اليوم وأنت في موقع القوة، قد يأتي يوم تُسأل عنه عندما لا تبقى لك قوة ولا منصب ولا نفوذ.