لندن: محمد الطّورة
الوطن بخير قبلكم، والوطن بخير بعدكم، وسيبقى بخير بإذن الله ما دام فيه مواطنون يدركون أن الوطن لا يُختصر في مسؤول، ولا في حكومة، ولا في مرحلة، ولا في شخص مهما علا منصبه.
أسجل اليوم عتبًا، لا على حقكم في إبداء الرأي أو ممارسة النقد، فهذا حق لا يجادل فيه أحد، وإنما على بعض التصريحات والمواقف التي تتجاوز حدود النقد المسؤول، لتتحول إلى إساءة لصورة الوطن ومؤسساته ورجاله، وتقدم في بعض الأحيان صورة قاتمة أمام الخارج، وكأن الدولة التي كنتم بالأمس جزءًا من قيادتها وإدارتها لم تعد اليوم جديرة بالثقة.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل نقد الدولة ومؤسساتها بعد مغادرة مواقع المسؤولية يجب أن يكون بهذه الطريقة؟ وهل من الحكمة أن تُطرح الخلافات والانتقادات في مواقع التواصل والإعلام بأسلوب قد ينعكس على سمعة الوطن في الخارج، أو يزرع الشك في نفوس المواطنين تجاه مؤسساتهم، أو يوحي بأن كل ما كان قائمًا بالأمس أصبح اليوم موضع اتهام وتشكيك؟
إن من حق المسؤول السابق أن يختلف، ومن حقه أن ينتقد، بل ومن واجبه أحيانًا أن يقول ما يراه خطأ. لكن الفرق كبير بين النقد الذي يهدف إلى الإصلاح وبين خطاب لا يترك وراءه إلا التشكيك والإحباط وإضعاف الثقة.
والأمر الأكثر إثارة للعتب أن بعض من يطلقون هذه التصريحات هم أنفسهم الذين كانوا بالأمس في صدارة المشهد، وكانوا يتحدثون عن الدولة ومؤسساتها بلغة مختلفة تمامًا، ويطالبون الآخرين بالحفاظ على هيبة الدولة وعدم الإساءة إليها، بل وربما اتهموا غيرهم بقلة الوطنية لمجرد أنهم انتقدوا أداءً أو قرارًا.
أما اليوم، وبعد أن تغيرت المواقع وتبدلت الظروف، فقد أصبح البعض يتحدث وكأن اكتشاف أخطاء الدولة ومؤسساتها لم يحدث إلا بعد مغادرته كرسي المسؤولية.
هنا نقول بكل احترام: على رسلكم.
الوطن ليس ساحة لتصفية الحسابات، وليس منصة لاستعادة الحضور، وليس ورقة تستخدم في معارك العودة إلى الواجهة.
والأخطر من ذلك أن التصريحات التي تُطلق بلا مسؤولية لا تبقى داخل حدود أصحابها؛ فهي تُقرأ في الخارج، وتتناقلها وسائل الإعلام، ويستغلها من لا يريدون الخير للأردن، وفي الداخل قد تترك أثرًا في ثقة المواطن بمؤسساته، وهي ثقة لا يجوز أن تكون محل عبث أو مزايدة.
فالدولة ومؤسساتها ليست فوق النقد، لكنها أيضًا ليست مباحة للتجريح والتشكيك. والفرق بين الأمرين هو المسؤولية.
ومن حق المواطن أن يسأل: لماذا كان خطابكم بالأمس مختلفًا؟ وهل تغيرت قناعاتكم فعلًا، أم تغيرت مواقعكم فقط؟ وهل الهدف إصلاح الخلل، أم تسجيل موقف، واستعادة حضور، والعودة إلى دائرة الضوء وفق قاعدة «خالف تعرف»؟
لقد أصبح المواطن أكثر وعيًا مما يظن البعض، ولم تعد تنطلي عليه محاولات تقديم المواقف الشخصية على أنها مواقف وطنية خالصة.
الوطن أكبر من الأشخاص، وأبقى من المناصب، وأعز من أن يصبح مادة للمناكفات الشخصية.
فانتقدوا كما تشاؤون، واختلفوا كما تشاؤون، لكن لا تجعلوا من اختلافكم مع الدولة إساءة إلى الوطن، ولا تجعلوا من خروجكم من المنصب خروجًا على الدولة ومؤسساتها.
الوطن بخير قبلكم، والوطن بخير بعدكم، وسيبقى بخير بإذن الله ما دام فيه مواطنون يدركون أن الوطن لا يُختصر في مسؤول، ولا في حكومة، ولا في مرحلة، ولا في شخص مهما علا منصبه.