كانت شوق تقف عند مشارف الأربعين، أو ربما تجاوزتها بقليل، دون أن تعترف للأرقام بما فعلته بها السنوات.
لم تكن تخشى العمر بقدر ما كانت تخشى أن تمرّ السنوات سريعًا، فتكتشف ذات مساء أنها لم تقل كل ما أرادت قوله، ولم تفعل كل ما أرادت فعله، وأن أشياء كثيرة تركتها مؤجلة حتى أصبح التأجيل نفسه جزءًا من حياتها.
كانت امرأة ناضجة، مكتنزة الحضور قبل الجسد، هادئة الملامح، وفي عينيها صفاء غريب. تمتلك نقاء روح لا تفسده الأيام، وسريرة بيضاء لم تستطع الخيبات أن تجعلها أكثر قسوة.
كانت شوق تعيش حياتها كما لو أنها تحمل داخلها زمنًا آخر.
زمنًا لم ينتهِ تمامًا.
كان الماضي يسكنها، لا كذكرى عابرة، وإنما كشيء حيّ يتحرك في دواخلها كلما مرّت بها لحظة تشبهه.
كلما خرجت إلى طرقات الحي، كانت تستذكر شيئًا.
ربما نافذة قديمة.
ربما بابًا خشبيًا.
ربما صوت امرأة كانت تنادي ابنتها من بعيد.
وربما مجرد ظل على جدار، يعيد إليها وجهًا لم تعد تعرف أين اختفى.
كانت تمشي ببطء أحيانًا، وتلتفت إلى الأماكن التي تغيّرت.
تقول في سرّها:
— هنا كان…
ثم تسكت.
فبعض الأماكن لا تحتاج إلى إكمال الجملة.
كانت تعرف أن الذاكرة لا تعترف بالتغيير.
فالطريق الذي أصبح عريضًا في عيني الناس، ظل في عينيها كما كان؛ ضيقًا، مليئًا بالأطفال، ورائحة الخبز، وصوت الباعة، وخطوات الصبا الأولى.
وكانت تتساءل أحيانًا: هل نحن الذين نغادر الأمكنة، أم أن الأمكنة هي التي تغادرنا؟
كانت تتابع البرامج التلفزيونية باهتمام.
تحب أن ترى الناس، تسمع أصواتهم، وتراقب تفاصيلهم الصغيرة.
وحين تتاح لها فرصة الحديث أمام جمهور، كانت تحضر.
تجلس بثبات، تصغي، ثم تبدأ بالكلام.
لكن صوتها كان يرتجف قليلًا في اللحظات الأولى.
ارتجافة خفيفة بالكاد يلاحظها أحد.
ربما هو الخجل.
أو شيء من ذلك القبيل.
ربما لأن في داخلها امرأة أخرى، أكثر خجلًا من تلك التي يراها الناس.
كانت شوق تعرف ماذا تريد أن تقول، لكنها حين ترفع عينيها نحو الجمهور تشعر أن الكلمات أصبحت فجأة أكثر ثقلًا.
تأخذ نفسًا قصيرًا.
تبتسم.
ثم تواصل حديثها.
وبعد دقائق، يستقر صوتها.
ويعود حضورها كما تعرفه هي.
حضور هادئ، لا يحتاج إلى ضجيج.
كانت شوق حاضرة.
حتى حين يخذلها صوتها قليلًا، كانت حاضرة.
وحتى حين تتلعثم لحظة، كانت عيناها تقولان ما لا تستطيع الكلمات قوله.
في المساء، حين تعود إلى بيتها، تجلس في الشرفة.
تضع فنجان القهوة إلى جوارها، وتترك للهواء أن يعبث بشعرها.
تمرر أصابعها بين خصلاته ببطء، كما لو أنها تبحث عن شيء ضاع بينها منذ سنوات.
ترفع الفنجان إلى شفتيها.
ترتشف.
ثم تنظر بعيدًا.
كانت المدينة تحتها تمضي في حياتها دون أن تعرف أن امرأة في شرفة صغيرة تحمل في صدرها مدينة أخرى.
مدينة من الوجوه والأصوات والطرقات القديمة.
مدينة لم تعد موجودة إلا في الذاكرة.
أحيانًا كانت تضحك.
تضحك فجأة، بلا سبب ظاهر.
وكانت ضحكتها جميلة، صافية، تشبه ضحكة فتاة صغيرة وجدت شيئًا تحبه بعد بحث طويل.
ثم، دون مقدمة، كانت عيناها تمتلئان بالدموع.
تضع الفنجان.
تشيح بوجهها.
وتقول لنفسها:
— لماذا أبكي وأنا بخير؟
لم تكن تعرف الجواب.
أو ربما كانت تعرفه، لكنها لم تكن تريد أن تعترف به.
كان في داخلها شيء مخبوء.
شيء لم تستطع السنوات أن تطفئه، ولم تستطع هي أن تمنحه اسمًا.
ربما كان شوقًا إلى شخص.
وربما إلى زمن.
وربما إلى نفسها القديمة.
كانت أسئلتها غريبة.
أسئلة الصبا.
أسئلة تلك السنوات التي كانت تركض فيها دون أن تعرف أن الركض نفسه سيصبح يومًا ذكرى.
كانت تتذكر نطنطة العيد، وفرحتها بثوب جديد، ورائحة البيت صباح العيد، والأيدي التي كانت تمتد إليها بالعيدية، والضحكات التي كانت تملأ الحارة.
كانت تتذكر المريول المدرسي الأخضر.
تتذكر كيف كانت تضع حقيبتها على كتفها، وتمضي إلى المدرسة بخطوات سريعة، وكيف كانت تنظر إلى نفسها في زجاج النوافذ كلما مرت أمام بيت، فتعدل شعرها وتبتسم.
كانت تتذكر أشياء صغيرة جدًا.
أشياء لا تستحق، في نظر الآخرين، كل هذا الحنين.
لكن الذاكرة لا تقيس الأشياء بحجمها.
قد تحتفظ بزر صغير، أو رائحة صابون، أو صوت جرس مدرسة، وتترك وراءها سنوات كاملة.
كانت شوق تسأل نفسها:
أين ذهبت تلك الفتاة؟
متى كبرت؟
متى صار للمرآة هذا الوجه الآخر؟
ومتى أصبح للفرح موعد، وللدمعة سبب، وللأمنيات عمر افتراضي؟
ثم تضحك من أسئلتها.
وتقول:
— كبرتِ يا شوق.
لكن صوتًا صغيرًا في داخلها كان يجيب:
— لم أكبر تمامًا.
كانت تؤمن بالأمل، رغم كل ما مر بها.
تؤمن أن الغد يمكن أن يحمل شيئًا جميلًا، حتى لو جاء متأخرًا.
لكنها كانت تعرف أيضًا أن الألم لا يغادرنا تمامًا؛ إنه فقط يتعلم كيف يجلس في مكان هادئ داخلنا، دون أن يزعج أحدًا.
قالت مرة:
— الأمل والألم أخوان… كلاهما يسكن القلب، لكن أحدهما ينظر إلى الأمام، والآخر يظل واقفًا خلفنا.
وكانت هي تقف بينهما.
بين امرأة تعرفها الحياة جيدًا، وفتاة صغيرة ما زالت تركض في مكان ما داخلها.
بين حضورها أمام الناس، وذلك الخجل الخفيف الذي يرتجف معه صوتها.
بين طرقات الحي التي تعرفها، وطرقات أخرى لا يراها أحد، تسير فيها وحدها.
وفي إحدى الأمسيات، خرجت شوق تتمشى في الحي.
كان المساء قد بدأ يهبط بهدوء.
مرت من الطريق القديم.
توقفت لحظة.
نظرت إلى مكان لم يعد يشبه نفسه.
ابتسمت.
ثم قالت في سرها:
— ما زلت هنا.
لم تكن تعرف لمن قالتها.
للمكان؟
للماضي؟
للفتاة التي كانتها؟
أم لنفسها؟
ربما للجميع.
تابعت سيرها.
كان صوت خطواتها خفيفًا.
وكان في قلبها شيء يشبه الحزن، وشيء آخر يشبه الفرح.
وعندما وصلت إلى البيت، صعدت إلى شرفتها.
وضعت القهوة أمامها.
جلست.
مررت أصابعها بين شعرها.
ثم ضحكت.
وبعد لحظات، نزلت دمعة واحدة على خدها.
لم تمسحها.
تركتها تمضي.
رفعت رأسها إلى السماء، وقالت:
— ما زال في العمر متسع.
ثم سكتت قليلًا.
وأضافت:
— وما زال في القلب متسع.
وفي مكان بعيد من ذاكرتها، كانت فتاة صغيرة ترتدي مريولها الأخضر، تحمل حقيبتها، وتضحك وهي تقفز في الطريق.
ابتسمت شوق.
وللمرة الأولى لم تسألها:
أين ذهبتِ؟
بل قالت لها:
— تعالي… ما زال لدينا وقت.
وظلت شوق جالسة في شرفتها.
حاضرة.
كما كانت دائمًا.
بكل ما فيها من خجل، وحنين، وأمل، وألم.
حاضرة… كأن الماضي لم يغادرها، وكأنها لم تغادره.