لندن: محمد الطّورة
أعرف مسبقًا أن نشر هذا المقال سيحرّك بعض الأقلام، وستتولى «جوقة المنتقدين» مهمتها المعتادة في إطلاق الأوصاف الجاهزة، وربما يكون أولها أنني «سحيج». ولا بأس عندي بذلك، فهذه التهمة تحديدًا لا أراها إساءة، إذا كان المقصود بها أنني أنصف وطني وأرفض أن أراه بعين سوداء لا ترى فيه إلا العيوب.
فإن كان الدفاع عن الأردن، والاعتزاز بتاريخه، وتقدير ما تحقق فيه، والوقوف إلى جانب استقراره، والرد على من يتعمدون بث الخوف واليأس في نفوس أبنائه يُسمى «تسحيجًا»، فأنا أقبلها وأعتز بها.
وإن كان انتمائي إلى وطن ولدت على ترابه، ودرست في مدارسه، وعشت تفاصيله، وعرفت أفراحه وأزماته، يُحسب عليّ، فأنا أعتبره شرفًا لا تهمة، ووسامًا لا أخفيه.
لكنني في الوقت ذاته لا أؤمن بأن حب الوطن يعني التغاضي عن أخطائه، ولا أن الانتماء يعني التصفيق لكل مسؤول. أنا مع النقد حين يكون هدفه الإصلاح، ومع المحاسبة حين تكون غايتها حماية المال العام ومصلحة المواطن. لكنني أرفض أن يتحول النقد إلى جلد دائم للوطن، أو أن تتحول الطموحات الشخصية إلى وسيلة لزرع الخوف في نفوس الأردنيين وتصوير وطنهم وكأنه على وشك الانهيار.
لذلك أكتب هذا المقال وأنا أعرف أن البعض سيختلف معي، وربما يهاجمني، وهذا حقهم. أما حقي فهو أن أقول ما أؤمن به دون خوف:
إذا كان حب الأردن وإنصافه «تسحيجًا» في قاموس البعض، فأنا أتشرف بهذا «التسحيج»؛ لأنني لم أجد عيبًا في أن أنحاز لوطن أنحاز إليه منذ ولادتي، وسأبقى منحازًا إلى الأردن ما حييت.
في مسيرة الأردن الحديثة، كان للقيادة الهاشمية دور محوري في بناء الدولة والمحافظة على استقرارها، رغم محدودية الموارد والتحديات الإقليمية المتلاحقة. واليوم، بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني، يواصل الأردن السير في طريق التنمية ضمن الإمكانات المتاحة، مع الحرص على توفير سبل الحياة الكريمة لأبنائه وتعزيز مؤسسات الدولة.
ومن أبرز ما ميّز النهج الأردني قدرته على إقامة علاقات متوازنة مع مختلف دول العالم، وهو نهج قائم على الواقعية وحساب مصالح الوطن وتجنب الدخول في مواجهات غير محسوبة قد تكون كلفتها أكبر من قدرة الأردن على تحملها. وفي منطقة شهدت أزمات وحروبًا متتالية، كان الحفاظ على أمن الأردن واستقراره بحد ذاته إنجازًا يستحق التقدير.
وفي المقابل، هناك من يمكن وصفهم بـ”الهامشيين”، ليس انطلاقًا من انتمائهم الاجتماعي، وإنما من سلوكهم تجاه الوطن. وهم أولئك الذين استفادوا من الدولة ومؤسساتها، وتولوا مناصب مهمة واكتسبوا نفوذًا ومكانة، ثم تحول بعضهم بعد ذلك إلى جلد الوطن وإنكار ما قدمه لهم، وكأنهم لم يكونوا يومًا جزءًا من منظومته.
ومن حق أي مواطن أن ينتقد ويطالب بالإصلاح والمحاسبة، لكن هناك فرقًا بين النقد المسؤول الذي يسعى إلى معالجة الأخطاء، وبين خطاب يزرع الإحباط ويهدم الثقة بالدولة ومؤسساتها.
وهنا كلمة عتب على كل من يحاول، لغايات شخصية أو سياسية، بث الخوف في نفوس الأردنيين وتصوير الأردن وكأنه بلد على وشك السقوط والانهيار. فالأردن منذ نشأته يواجه تحديات حقيقية، اقتصادية واجتماعية وسياسية، ولا يجوز إنكارها، لكن تضخيمها وتحويلها إلى خطاب دائم عن قرب الانهيار لا يخدم المواطن ولا يساعد على الحل.
فالإنصاف يقتضي أن نعترف بالإنجازات كما نعترف بالأخطاء. والقيادة الهاشمية، بما تمثله من مرجعية تاريخية ووطنية، تحملت عبر عقود مسؤولية إدارة دولة محدودة الموارد، محاطة بأزمات إقليمية كبرى، واستطاعت المحافظة على استقرارها واستمرارية مؤسساتها وعلاقاتها الدولية.
وفي الوقت نفسه، فإن المسؤولية الوطنية تقتضي محاسبة كل من أساء استخدام المنصب العام أو جعل من موقعه وسيلة لتحقيق مصالح شخصية، فالمناصب تكليف وليست امتيازًا، ومن استفاد من الدولة عليه أن يسأل نفسه قبل أن يوجه الاتهامات إليها: ماذا قدمت للأردن مقابل ما قدمه لي؟
الأردن ليس بلدًا بلا مشكلات، لكنه أيضًا ليس بلدًا على وشك السقوط. وهو بحاجة اليوم إلى خطاب صادق ومتزن؛ ينتقد دون أن يهدم، ويحاسب دون أن ينتقم، ويطالب بالإصلاح دون أن يزرع الخوف واليأس.
وفي النهاية، فإن الوطنية ليست في كثرة المديح ولا في كثرة جلد الوطن، وإنما في العمل من أجله، والحرص على استقراره، والاعتراف بإنجازاته، ومعالجة أخطائه.
فالأردن يحتاج إلى من يبني فيه، لا إلى من يستفيد منه ثم يتنكر له؛ ويحتاج إلى من يختلف من أجله، لا إلى من يختلف عليه.