لندن: محمد الطّورة
أكتب هذه السطور من واقع خبرة عملية امتدت لسنوات في مجال التشريفات والمراسم، إكتسبتها إبان عملي في السفارتين الأردنيتين في لندن وواشنطن. ومن يعرف هذا العمل عن قرب يدرك أن البروتوكول ليس مجرد ترتيب للمقاعد أو تنظيم للمصافحات والصور، بل هو لغة صامتة تعبّر عن مكانة الدولة، وطبيعة التمثيل، ومستوى الاحترام المتبادل بين الدول.
ولهذا، فإن التفاصيل التي قد تبدو للبعض بسيطة أو هامشية، كمن يجلس إلى جانب رأس الدولة، ومن يدخل معه إلى قاعة المباحثات، ومن يظهر في الصف الرسمي، ليست أموراً متروكة للمجاملة أو الاعتبارات الشخصية. إنها ترتيبات يفترض أن تحكمها الصفة الرسمية والوظيفة والمسؤولية.
خلال الزيارة الرسمية التي قام بها قائد دولة عربية إلى دول صديقة، لفت ظهور افراد من عائلة القائد إلى جانبه في عدد من الاجتماعات والمناسبات الرسمية انتباه وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، وأثار تساؤلات وانتقادات حول مدى ملاءمة هذا الحضور في اجتماعات ذات طابع رسمي ودبلوماسي.
المسألة هنا ليست اعتراضاً على أفراد عائلة قائد الدولة، ولا انتقاصاً من مكانتهما، وإنما تتعلق بطبيعة المناسبة والصفة الرسمية لمن يجلس إلى جانب رأس الدولة. فالزيارات الرسمية، خصوصاً عندما تتعلق بعلاقات دولية وملفات سياسية واقتصادية، يفترض أن يشارك فيها أصحاب الاختصاص والمسؤولون المعنيون بالملفات المطروحة، ممن يملكون الخبرة والصفة الرسمية التي تبرر وجودهم.
لكن السؤال الأهم، في رأيي، ليس لماذا حضر أفراد عائلة رأس الدولة ، وإنما:
أين كان دور المستشارين وكبار المسؤولين المحيطين به والعاملين بمعيته؟
فمن أهم وظائف المستشار والمسؤول أن يقدم النصيحة الصادقة، وأن ينبه إلى أي خطوة يمكن أن تفتح باباً غير ضروري للانتقاد أو تسيء، ولو بصورة غير مقصودة، إلى صورة الدولة.
قد لا تُقبل النصيحة، وهذا حق رأس الدولة، لكن واجب المستشار أن يقدمها.
بل إن غضب رأس الدولة من نصيحة صريحة ومهنية أهون بكثير من أن يصمت المستشار، ثم تتحول المسألة لاحقاً إلى موضوع للنقد الإعلامي والشعبي كما هو حاصل الآن.
فالانتقاد الذي يمكن منعه بنصيحة في الغرفة المغلقة، أفضل ألف مرة من انتقاد يأتي لاحقاً في الصحف ووسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي
المسؤول الذي يعمل بالقرب من رأس الدولة ليس مطلوباً منه أن يوافق على كل شيء، وإنما أن يقول ما يراه صحيحاً، حتى عندما يكون قوله غير مريح.
وليس المقصود من ذلك إبعاد عائلة رأس الدولة عن الحياة العامة، بل إن اكتسابهم الخبرة والاحتكاك بالمناسبات الدولية أمر طبيعي ومفيد، ولكن ينبغي أن يتم ذلك بشكل تدريجي ومدروس، وبما يتناسب مع طبيعة كل مناسبة وصفة المشاركين فيها.
لدينا في أوطاننا الكثير من أصحاب الخبرة والكفاءة من الدبلوماسيين والاقتصاديين والسياسيين والقانونيين، وكان يمكن أن تكون صورة الاجتماعات الرسمية أكثر وضوحاً إذا اقتصرت المشاركة فيها على أصحاب الاختصاص والصفة الرسمية.
ما حدث يجب ألا يتحول إلى قضية شخصية أو إلى حملة ضد أحد، وإنما إلى درس للمستقبل.
فالمؤسسات الناجحة لا تنتظر وقوع الانتقاد حتى تبدأ بالمراجعة، وإنما تستبق الانتقاد بالتقدير والنصيحة.
وإلى كل من تقع على عاتقه مسؤولية المشورة أقول:
أنتم مؤتمنون على وظائفكم، وأمانتكم تقتضي أن تقولوا ما يجب أن يُقال في الوقت المناسب، لا ما يرغب الآخرون في سماعه.
فالنصيحة الصادقة قد تغضب للحظة، لكنها تحمي القرار وصورة الدولة على المدى البعيد.
أما الصمت والمجاملة، فقد يبدوان أكثر راحة في اللحظة نفسها، لكن ثمنهما قد يكون أكبر عندما يصبح الأمر مادة للنقد العام.
هذه ليست دعوة إلى التشدد، وإنما دعوة إلى مزيد من المهنية، وإلى ألا نترك هفوات صغيرة تفتح أبواباً واسعة للانتقاد تطال كل مكونات الدولة كان بالإمكان تفاديها وإغلاقها بنصيحة واحدة في الوقت المناسب.