لندن: محمد الطّورة
الحياة في محيط السلطة ليست دائماً محكومة بالمنطق الذي نتصوره
ثمة مفارقة تستحق التأمل في طبيعة العلاقة بين الإعلام والسلطة، وهي أن الإنسان قد يجد نفسه في مرمى الاستهداف، لا بسبب خطأ ارتكبه، ولا نتيجة خصومة دخل فيها، وإنما أحياناً بسبب أناس ظنوا أنهم يقدمون له خدمة، فإذا بهم، من حيث لا يدرون، يمهدون الطريق لمتاعبه، ويضعونه تحت أضواء لم يكن بالضرورة بحاجة إليها.
فليس كل تسليط للضوء تكريماً، وليس كل إشادة أو تصفيق مكسباً، وليس كل ترويج إعلامي يصب في مصلحة من يتناوله. ففي بعض الأحيان، قد تكون المبالغة في إبراز شخص ما أشد ضرراً عليه من تجاهله، وقد تتحول الكلمات التي كُتبت للإشادة به إلى مصدر قلق وامتعاض لدى آخرين، وتصبح الصور والأخبار التي أُريد بها تعزيز مكانته مادة لإثارة التساؤلات والتأويلات والشكوك حول طموحاته وموقعه ونفوذه.
وتزداد هذه المفارقة حساسية حين يتعلق الأمر بالسلطة والمناصب؛ فهناك فرق كبير بين نظرة الجمهور إلى تحركات المسؤول، ونظرة المحيطين به من أصحاب النفوذ ومراكز القرار. فما قد يراه الجمهور نشاطاً يستحق الإشادة، قد يراه آخرون محاولة لصناعة حضور يتجاوز حدود الموقع، أو مؤشراً على طموح يتخطى المساحة المرسومة لصاحبه.
وقد لا يكون المسؤول قد فكّر يوماً في مزاحمة أحد أو منافسة من هو أعلى منه موقعاً، لكن كثافة التغطية الإعلامية، والمبالغة في إبراز تحركاته وإنجازاته، قد تضعه في موضع لم يختره، وتدفع الآخرين إلى قراءة تصرفاته من زاوية مختلفة تماماً عن مقاصده الحقيقية. وهكذا يجد نفسه طرفاً في حسابات وصراعات لم يسعَ إليها، وربما لم يكن يدرك وجودها أصلاً.
والتاريخ السياسي والاجتماعي حافل بمثل هذه المفارقات؛ فالشعبية التي تبدو مصدر قوة لصاحبها قد تتحول، في بيئات السلطة شديدة الحساسية، إلى مصدر قلق لدى الآخرين. فليست المشكلة دائماً في ما يفعله الإنسان، وإنما قد تكمن في الصورة التي تتشكل عنه، وفي الطريقة التي يقرأ بها الآخرون حضوره وتأثيره.
ولعل الأمر لا يقتصر على أصحاب المناصب والمواقع المتقدمة؛ فكم من أشخاص، على مختلف المستويات الوظيفية والاجتماعية، بل وحتى في محيط العلاقات الأسرية، اكتووا بنار المبالغة في الكتابة عنهم والإشادة بهم، فوجدوا أنفسهم يدفعون ثمن اهتمام لم يطلبوه، وإبراز لم يدركوا عواقبه. وما كان يُفترض أن يكون تكريماً وتقديراً لهم تحول، من حيث لا يدرون، إلى مصدر للغيرة والحساسية والامتعاض لدى المحيطين بهم، حتى أصبح حضورهم الذي كان موضع إشادة سبباً في غيابهم، وبروزهم مدخلاً لإبعادهم عن المشهد. وهكذا قد يجد الإنسان نفسه ضحية كلمات كُتبت عنه بحسن نية، دون أن يدرك كاتبها أن المبالغة في إبراز شخص قد تكون أحياناً أشد ضرراً عليه من تجاهله.
ومن هنا، لا بد من التوقف عند مسؤولية الإعلام؛ فالإعلام المهني لا تقاس كفاءته بكثرة ما ينشر من صور وأخبار، ولا بمقدار ما يضفيه من هالات على الشخصيات العامة، وإنما بقدرته على نقل الوقائع بموضوعية، وإبراز الإنجاز دون تهويل، والتقدير دون مبالغة، والتمييز بين الخبر الذي يخدم الحقيقة والخطاب الذي ينزلق إلى صناعة النجوم. فليس من الحكمة أن يتحول الإعلام، بقصد أو من دونه، إلى طرف في إعادة تشكيل موازين النفوذ داخل الدول، أو أن يمنح شخصاً من الحضور ما قد يضعه في مواجهة حساسيات لم تكن قائمة من قبل.
لكن المسؤولية لا تقع على الإعلام وحده؛ فالمسؤول نفسه مطالب بقدر من الفطنة السياسية والاجتماعية، وأن يدرك أن المناصب ليست مجرد صلاحيات يمارسها، وإنما مواقع تحكمها اعتبارات وتوازنات وحسابات متعددة. وعليه أن يميز بين إثبات الكفاءة واستعراض القوة، وبين إنجاز العمل والسعي إلى تصدير صورة شخصية متضخمة عنه. وأن يدرك أن احترام التسلسل المؤسسي، ومراعاة حدود الدور، والابتعاد عن كل ما يمكن أن يُفسر باعتباره مزاحمة لأصحاب المواقع الأعلى، ليست مظاهر ضعف، بل وجوه من الحكمة وحسن التقدير.
غير أن الحذر لا يعني الخنوع، ولا ينبغي أن يصبح الخوف من حساسية الآخرين مبرراً لإخفاء الكفاءة أو تعطيل الإنجاز. فالمؤسسات التي تضيق بنجاح العاملين فيها، أو تنظر إلى بروز الكفاءات باعتباره تهديداً، إنما تضعف نفسها بيدها. والمطلوب ليس أن يتنازل الإنسان عن حقه في النجاح، وإنما أن يفهم طبيعة البيئة التي يعمل فيها، وأن يوازن بين ما يحق له فعله وما تقتضيه الحكمة في طريقة إظهاره.
وهنا تحضرني مقولة شائعة تقول: «المال عديل الروح»، وأجدني أميل إلى القول إن السلطة عند بعض أصحابها تتساوى مع الروح؛ فهي ليست بالنسبة إليهم مجرد منصب أو وظيفة، بل عنوان للمكانة والنفوذ والوجاهة والشعور بالأهمية. ولذلك قد يصبح الاقتراب من مساحة نفوذهم، أو بروز شخصية أخرى في محيطهم، مدعاة للقلق والامتعاض، حتى وإن لم يكن لدى تلك الشخصية أي مشروع للمنافسة أو التفكير في الحلول محلهم.
إن فهم هذه الطبيعة لا يعني تبرير الغيرة أو الإقصاء أو محاربة الناجحين، وإنما يعني إدراك أن الحياة في محيط السلطة ليست دائماً محكومة بالمنطق الذي نتصوره، وأن ما يبدو أمراً عادياً في حسابات شخص قد يكون بالغ الحساسية في حسابات شخص آخر.
ولعل الحكمة الأعمق هنا أن يدرك الإعلام أن الكلمة مسؤولية، وأن يدرك المسؤول أن الحضور مسؤولية أيضاً. فلا الإعلام مطالب بصناعة الهالات حول الأشخاص، ولا المسؤول بحاجة إلى أن يكون حاضراً في كل صورة وخبر حتى يثبت وجوده. فالإنجاز الحقيقي لا يحتاج دائماً إلى ضجيج، والمكانة الراسخة لا تُقاس بعدد مرات الظهور، وإنما بما يتركه الإنسان من أثر في عمله ومؤسسته ومحيطه.
فليس كل تلميع تكريماً، وليس كل إشادة دعماً، وليس كل ظهور مكسباً. ففي دهاليز السلطة، قد تتحول الأضواء التي يسلطها الآخرون عليك إلى مصدر لمتاعب لم تكن في الحسبان، وقد تصبح الكلمات التي كُتبت لرفع مكانتك بداية لتراجعها.
وهكذا، قد لا يكون أخطر ما يواجه الإنسان خصماً يعلن عداوته، بل صديقاً أو إعلامياً يبالغ في الإشادة به دون أن يدرك تبعات ما يفعل. ففي بعض المواقف، لا تكون النوايا الحسنة كافية لحماية أصحابها من النتائج، ولا تكون الأضواء دائماً دليلاً على الطريق إلى القمة؛ فقد تقود، أحياناً، إلى طريق الإقصاء والغياب.