من مجموعة «حين يتكلم الغياب»
لم يكن خيرو يعرف متى بدأ الغياب يسكنه، ولا متى تحوّل من حادثة عابرة إلى حياة كاملة يعيشها وحده. كل ما كان يعرفه أن شيئًا انكسر في داخله منذ زمن، وأن السنوات لم تستطع أن تعلّمه كيف يتجاوز ذلك الكسر دون ألم.
كان يخرج كل صباح إلى الشارع، يحيّي الناس ويبتسم، ويشاركهم أحاديث الأسعار والسياسة وأحوال البلاد، لكنه ظلّ في مكان بعيد من روحه يقيم في زمن آخر، حيث الوجوه التي أحبّها ما تزال حاضرة، والأبواب التي أُغلقت لم تفقد أصواتها.
اكتشف متأخرًا أن الذاكرة ليست خزانة نفتحها ونغلقها متى نشاء، بل بيت كامل نعيش فيه دون أن نملك مفاتيحه.
—
عاد خيرو إلى البيت القديم بعد غياب طويل.
قال لنفسه إنه جاء ليتفقد المكان قبل أن يُباع، لكنه كان يعرف أن الحقيقة أبسط وأعمق: لقد اشتاق.
اشتاق إلى الباب الخشبي الأخضر الذي كان يصدر صريرًا خفيفًا كلما فُتح، وإلى النافذة الصغيرة التي كانت أمه تطل منها عند الغروب، وإلى شجرة الزيتون في الحوش، وشجرة الليمون عند المدخل، وجرّة الماء التي وقفت طويلًا قرب الباب كأنها حارس لذاكرة البيت.
لرائحة حوش الدار معنى لا يغيب؛ رائحة التراب حين يبتلّ بالماء، وأوراق الشجر تحت شمس الصباح، والخبز والقهوة وهما يتسللان من المطبخ إلى الغرف.
وللباب الأخضر حكايات لا تنتهي؛ كم مرة فُتح لاستقبال عائد من سفر، وكم مرة أُغلق خلف طفل ذاهب إلى المدرسة، وكم مرة بقي مواربًا انتظارًا لابن تأخر في العودة. أما سقف البيت وقصيبه، فله ألف عنوان؛ تحته نامت العائلة في ليالي الصيف، وتناقلت الحكايات أخبار الغائبين، وظنّ الجميع أنه سيظل شاهدًا على أعمارهم.
فتح الباب بصعوبة.
استقبله هواء راكد ورائحة خشب قديم. دخل ببطء، فوجد البيت أصغر مما حفظته ذاكرته. الغرفة التي بدت له في طفولته واسعة إلى حد الدهشة، لم تعد تتسع إلا لسرير قديم وخزانة وكرسي قرب النافذة. وعلى الجدران، بدت الشقوق كأنها تجاعيد رسمها الانتظار.
وقف في منتصف الغرفة، ولم يبكِ.
كان يظن أن الدموع ستسبقه، لكنه اكتشف أن الحزن حين يطول عمره يصبح أكثر هدوءًا، ويختبئ في تفاصيل لا ينتبه إليها أحد.
مدّ يده إلى ظهر الكرسي ومسح الغبار عنه.
هنا كانت تجلس أمه.
رآها في ذاكرته تميل برأسها قليلًا حين تستمع إليه، وتضع طرف شالها على كتفها، ثم تنظر إليه بتلك النظرة التي تجمع العتاب والحنان.
كم مرة قالت له:
«اقعد شوي يا ابني، خلينا نحكي».
فيجيبها وهو يستعد للمغادرة:
«بعدين يا أمي، عندي شغل».
لقد جاء ذلك الـ«بعدين»، لكنه جاء بلا أمه.
ومنذ رحيلها، لم يعد يعرف ماذا يفعل بكل الكلام الذي بقي في قلبه.
—
في الخارج، كانت الحياة تمضي دون أن تلتفت إلى أحد. أطفال يركضون في الشارع، ورجل يدفع عربة خضار، وامرأة تنادي ابنها من شرفة قريبة.
تذكّر خيرو كيف كان يمرّ في الشوارع نفسها مسرعًا، يحمل همومه الصغيرة كأنها أثقل من الجبال، ويعتقد أن الوقت طويل، وأن الذين يحبهم سيبقون في أماكنهم حتى ينتهي من مشاغله.
لم يكن قليل المحبة، لكنه صدّق خدعة الزمن؛ تلك التي تقنعنا بأن أمامنا فرصًا كثيرة لنقول ما نريد، ونزور من نحب، ونجلس قليلًا مع الذين ينتظروننا.
ثم يرحل أحدهم، فنكتشف أن ما أجّلناه لم يكن أمرًا عابرًا، بل كان الحياة نفسها.
أخرج هاتفه، وفتح قائمة الأسماء. توقف عند اسم أمه.
كان رقمها محفوظًا منذ سنوات، رغم أنه يعرف أن أحدًا لن يجيب. لم يستطع حذفه؛ فقد شعر أن حذف الاسم اعتراف أخير لا يملك شجاعة القيام به.
أعاد الهاتف إلى جيبه.
فهم لماذا يحتفظ الناس بأرقام موتاهم، ولماذا يتركون ثيابهم في الخزائن، ولماذا تبقى أشياء كثيرة في أماكنها بعد الرحيل. ليس لأنهم يجهلون الحقيقة، بل لأن القلب يحتاج إلى وقت أطول كي يتعلم العيش معها.
نحن لا نحتفظ بالأشياء لأن أصحابها سيعودون، بل لأننا لا نعرف كيف نودّعهم مرة واحدة.
ولم تكن أمه وحدها من غاب. غاب صديق قديم، وابتعد رفيق عمر، وتوارَت وجوه كانت تملأ الشوارع والمقاهي. حتى نفسه القديمة، التي كانت تضحك دون حساب وتفرح بأشياء صغيرة، شعر أنها غابت عنه.
كان المجتمع ينتظر من الرجل أن يكون قويًا، أن يعمل ويتحمّل مسؤولياته ويبدو بخير. أما حزنه، فيُفترض أن يبقى شأنًا خاصًا لا يزعج به أحدًا.
وهكذا، كان خيرو يضحك مع الآخرين، ثم يعود إلى غرفته ليصغي إلى الصمت.
—
قبل أن يغادر البيت، انتبه إلى صندوق صغير تحت السرير.
سحبه ونفض الغبار عن غطائه، ثم فتحه. وجد صورة عائلية باهتة، وأوراقًا مطوية، ومنديلًا أبيض احتفظ برائحته القديمة، أو لعلّه احتفظ بوهم أن للروائح ذاكرة لا تموت.
وفي أسفل الصندوق، عثر على ورقة صغيرة بخط أمه.
لم تكن رسالة طويلة ولا وصية. كلمات عادية كتبتها على عجل، لكن خطها أعاد إليه يدًا كانت تتحرك أمامه كل يوم، وصوتًا كان يملأ المكان، وحياة ظنّ أنها ستظل متاحة إلى الأبد.
ضمّ الورقة إلى صدره.
وانهار أخيرًا.
بكى لأنه لم يستطع أن يعيد يومًا واحدًا إلى الوراء، ولأنه تذكّر كم مرة غادر مستعجلًا، مكتفيًا بتلويحة سريعة بدل أن يعود إليها ويقبّل رأسها.
بكى على الكلمات التي لم يقلها، وعلى الأيام التي ظنّها عادية، فإذا بها تصبح بعد الرحيل أثمن ما يملك.
لم يكن يبكي أمه وحدها، بل كان يبكي ذلك الإنسان الذي اكتشف متأخرًا أن العمر لا يُقاس بما أنجزناه فقط، بل بما منحناه من وقت واهتمام لمن أحبونا دون شروط.
ظلّ جالسًا حتى هدأ. أعاد الورقة إلى الصندوق، لكنه تركه مفتوحًا، كأنه أراد أن يمنح الذاكرة حقها في البقاء دون أن يسمح لها بأن تحكم عليه بالعزلة إلى الأبد.
—
حين خرج، كان المساء قد بدأ يمدّ ظلاله على الشارع.
أغلق الباب الأخضر خلفه، ثم مرّر يده على الخشب المتعب، كأنه يصافح صديقًا طال غيابه. تذكّر المائدة الصغيرة التي جمعت أهل البيت، حين لم يكونوا يملكون الكثير، لكنهم كانوا يشعرون بأن الدنيا تتسع لهم جميعًا.
لم يشعر بأنه ودّع البيت، ولا بأنه استعاد شيئًا ضائعًا. لكنه أدرك أن هناك فرقًا بين أن نعيش أسرى للماضي، وأن نحمله معنا بوصفه جزءًا مما صرنا إليه.
في تلك الليلة، اتصل بأخيه الذي لم يكلمه منذ أسابيع.
لم يكن لديه أمر مهم يقوله. سأله عن صحته وأولاده، وتبادلا أحاديث يومية امتدّت على غير انتظار، حتى وجدا نفسيهما يضحكان على حكايات قديمة ظنّا أنهما نسياها.
وقبل أن ينهي المكالمة، قال له:
«غدًا سأمرّ عليك. نريد أن نجلس معًا قليلًا».
لم يشرح السبب، ولم يكن بحاجة إلى ذلك.
جلس قرب النافذة بعد المكالمة، وتذكّر أمه. هذه المرة لم يحاول إبعاد صورتها عن ذهنه كي يواصل يومه. تركها حاضرة، كما كانت دائمًا، وسمح للحياة بأن تجلس إلى جوارها.
فهم أن الوفاء للراحلين لا يعني أن نتوقف عن العيش عند اللحظة التي غادرونا فيها، بل أن نحمل ما منحونا إياه إلى الذين ما زالوا هنا.
ومع ذلك، ظلّ يعرف أن بعض الغياب لا يُشفى تمامًا؛ فثمة مقاعد تبقى فارغة مهما ازدحم المكان، وأصوات لا يعوّضها صوت، وأبواب نفتحها في الذاكرة لا لأننا ننتظر عودة أحد، بل لأننا نخشى أن ننسى يومًا الطريقة التي كان يطرق بها الباب.
أغمض عينيه قليلًا.
وفي مكان بعيد من ذاكرته، سمع صوت أمه:
«وينك يا ابني؟ طولت اليوم».
فتح عينيه، ولم يجبه أحد.
لكنه هذه المرة لم يشعر بالوحدة ذاتها. أدرك أن بعضه سيبقى عند أعتاب الذاكرة إلى آخر العمر، غير أنه قرر ألا يجعل من تلك العتبة بيتًا مغلقًا، وألا يترك الذين يحبهم ينتظرون خلف أبواب يستطيع فتحها الآن.
فليس كل الغياب موتًا، وليس كل الحضور حياة. وأحيانًا، يكفي أن ننتبه إلى من بقي، قبل أن تتحول أصواتهم هم أيضًا إلى حكايات نرويها للذاكرة.
وفي آخر الليل، أدرك خيرو أن أشدّ ما يؤلم الإنسان ليس فقدان الذين أحبهم وحده، بل اكتشافه بعد رحيلهم كم من الحب كان يستطيع أن يمنحهم، وكم من الحياة تركها مؤجلة إلى غدٍ لم يأتِ.