الجالية الأردنية في لندن تستذكر شهداء الكرك والحراحشة يؤكد: الأردن أسرة واحدة ولن تنال الفتنة من وحدته
لندن – الأربعاء 28 تشرين الأول 2026
في مشهد امتزج فيه الحزن بالوفاء، واستحضرت فيه الشموع معاني التضامن الإنساني والانتماء الوطني، نظّمت الجالية الأردنية في المملكة المتحدة، بالتعاون مع الجمعية البريطانية الأردنية، وقفة شموع صامتة أمام مبنى السفارة الأردنية في لندن، ترحّماً على أرواح شهداء الحادث الإرهابي الذي استهدف كنيسة الروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك، وتضامناً مع أسر الشهداء والمصابين، وتأكيداً على الوقوف إلى جانب الأردن في هذا المصاب الأليم.
وشهدت الوقفة مشاركة أعضاء من السفارة الأردنية في لندن، إلى جانب أبناء الجالية وعدد من المواطنين البريطانيين، في مشهد عكس عمق الحزن على أرواح الضحايا، والتضامن مع ذويهم، والرفض المطلق لكل أشكال الإرهاب والتطرف التي تستهدف الأبرياء ودور العبادة، وتهدد أمن المجتمعات واستقرارها.
ولم تكن الشموع التي أضاءها المشاركون مجرد مظاهر رمزية للحزن، بل حملت رسالة وفاء لأرواح الشهداء، ومواساة لعائلات فقدت أحباءها في لحظة موجعة، وتأكيداً على أن المسافات لا تنال من ارتباط الأردنيين بوطنهم، ولا تفصلهم عن أفراحه وأحزانه، وأن ما يصيب الأردن في أي بقعة من أرضه يلامس وجدان أبنائه أينما كانوا.
وفي كلمة وطنية وإنسانية مؤثرة، أكد رئيس الجالية الأردنية في المملكة المتحدة، الأستاذ حلمي الحراحشة، أن الأردن سيبقى أسرة واحدة تجمع أبناءها روابط الأخوّة والمحبة والانتماء، مهما تعددت منابتهم وأصولهم واختلفت معتقداتهم، مشدداً على أن ما يجمع الأردنيين أعمق من كل اختلاف، وأنهم يعيشون بمشاعر واحدة ويحملون هدفاً واحداً يتمثل في الحفاظ على أمن الوطن واستقراره ووحدته.
وأشار الحراحشة إلى أن العلاقات الأخوية التي تجمع مختلف أطياف المجتمع الأردني ليست شعارات تُرفع في المناسبات، بل هي حقيقة راسخة تشكّلت عبر تاريخ طويل من العيش المشترك وتقاسم الأفراح والأحزان، والوقوف صفاً واحداً في مواجهة المحن والتحديات، مؤكداً أن الأردنيين، بمسلميهم ومسيحييهم، ومن شتى المنابت والأصول، يجمعهم وطن واحد ومصير مشترك وحرص صادق على أن يبقى الأردن آمناً مستقراً ومتماسكاً.
وأضاف أن المصائب تكشف حقيقة الروابط التي تجمع أبناء الوطن، وأن الألم الذي أصاب أسر الشهداء هو وجع لكل أردني، لأن الدم الإنساني لا يعرف تمييزاً، ولأن الانتماء للأردن أكبر من كل اختلاف، وأسمى من كل محاولة لإثارة الفرقة بين أبنائه.
ووجّه الحراحشة رسالة واضحة إلى كل من يحاولون، بسوء نية، زرع الفتنة بين الأردنيين أو استغلال المآسي لزعزعة أمن الوطن واستقراره، مؤكداً أن محاولات بثّ الفرقة لن تنجح في النيل من مجتمع تربّى أبناؤه على الأخوّة والمحبة والتكافل. وشدد على أن من يراهن على تفريق الأردنيين لا يدرك عمق الروابط التي تجمعهم، ولا حقيقة النسيج الوطني الذي ظلّ على الدوام مصدر قوة الأردن وتماسكه.
وأكد أن الإرهاب قد يخلّف الحزن والألم في القلوب، لكنه لن يستطيع تحويل هذا الحزن إلى كراهية، أو جعل المصاب مدخلاً للانقسام، مشيراً إلى أن الردّ الحقيقي على دعاة الفتنة يكون بمزيد من التلاحم الوطني، والتمسك بقيم التسامح والاحترام المتبادل، والوقوف صفاً واحداً في مواجهة الفكر المتطرف وكل ما يهدد السلم المجتمعي.
واستحضر الحراحشة في كلمته الإرث الوطني والإنساني لجلالة المغفور له الملك الحسين بن طلال، طيب الله ثراه، وما مثّله من قيم راسخة في الأخوّة والتسامح ووحدة الأسرة الأردنية، مشيراً إلى أن هذه المبادئ شكّلت على امتداد تاريخ المملكة أساساً متيناً للعلاقة بين أبناء المجتمع، ورسّخت الإيمان بأن قوة الأردن تكمن في تماسك شعبه وقدرته على تجاوز المحن بروح واحدة.
كما أشار إلى ما يؤكد عليه جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين من أهمية الوحدة الوطنية وصون النسيج الاجتماعي، وترسيخ قيم المواطنة والعيش المشترك، مؤكداً أن الأردن الذي بناه أبناؤه معاً سيبقى وطناً للجميع، وأن تنوّع المجتمع الأردني مصدر غنى وقوة، لا مدخل للفرقة أو التناحر.
وشدد على أن استحضار مواقف الملك الحسين والملك عبدالله الثاني في هذه اللحظات ليس مجرد عودة إلى كلمات ومواقف تاريخية، بل هو تأكيد على مسؤولية الجميع في صون إرث التآخي الوطني، وحماية المجتمع من محاولات التحريض والكراهية، وتعزيز القيم التي تجعل من الأردن نموذجاً في التعايش والتكافل بين مختلف مكوناته.
وأشاد الحراحشة بمواقف جلالة الملك عبدالله الثاني ومتابعته المباشرة لتداعيات الحادث واهتمامه بالمصابين وأسر الشهداء، معتبراً أن الوقوف إلى جانب المتضررين يجسد معاني المسؤولية والتضامن، ويؤكد أن الإنسان وكرامته وسلامته تظل في صميم الاهتمام الوطني.
كما ثمّن جهود الأجهزة الأمنية الأردنية في التعامل مع الحادث وملاحقة المتورطين وإلقاء القبض عليهم، مشيداً بكفاءتها ويقظتها في حماية أمن الوطن والمواطنين، ومؤكداً أهمية مواصلة التصدي للتطرف وتعزيز الوعي المجتمعي، بما يحفظ للأردن أمنه واستقراره وسلامة نسيجه الوطني.
وأكد المشاركون في كلماتهم أن الجريمة الإرهابية لا تستهدف فئة أو طائفة بعينها، بل تمثل اعتداءً على الأردن بكل مكوناته، وعلى قيمه القائمة على التسامح والعيش المشترك واحترام المعتقدات. فاستهداف الأبرياء ودور العبادة يمسّ الضمير الإنساني، ويستدعي موقفاً موحداً في الدفاع عن حق الإنسان في الحياة والأمن وممارسة شعائره الدينية بحرية وكرامة.
وفي هذا السياق، شددوا على أن الأردنيين، على اختلاف أصولهم ومذاهبهم ومعتقداتهم، يجمعهم الانتماء إلى الوطن والحرص على أمنه والولاء لقيادته الهاشمية، وأن وحدة الصف الوطني والمواطنة المتساوية تشكلان خط الدفاع الأول في مواجهة الفكر المتطرف ومحاولات بثّ الفرقة وإثارة النعرات.
وفي نهاية كلمته، أعرب رئيس الجالية الأردنية في المملكة المتحدة، الأستاذ حلمي الحراحشة، عن شكره وتقديره لمعالي السفير الأردني في لندن، السيد منار الدباس، ولأعضاء السفارة، ولكل من لبّى الدعوة وشارك في هذه الوقفة الوطنية والإنسانية، مثمّناً حضورهم الذي يجسّد روح الانتماء والوفاء للأردن. كما التمس العذر لمن حالت ظروفهم دون المشاركة، مؤكداً أن مشاعر المحبة والوفاء للوطن تبقى حاضرة في القلوب، مهما باعدت المسافات أو حالت الظروف دون الحضور.
واختُتمت الوقفة بالدعاء لشهداء الوطن، حيث دعا الحراحشة الحضور إلى قراءة سورة الفاتحة على أرواحهم، في لحظة سادها الخشوع وامتزج فيها الحزن بالدعاء، واستحضرت فيها القلوب أرواح من رحلوا، واستشعرت حجم الفقد الذي ألمّ بأسرهم وذويهم، في مشهد جسّد أسمى معاني الوفاء والرحمة والتضامن، وجدّد التأكيد على أن ذكرى الشهداء ستبقى حاضرة في وجدان الأردنيين، وأن الوقوف إلى جانب أسرهم واجب إنساني ووطني.
وأضاء المشاركون الشموع أمام مبنى السفارة الأردنية، ورفعوا الأعلام الأردنية وصور الشهداء، في مشهد عبّر عن عمق الحزن والأسى والوفاء، وحمل رسالة واضحة بأن أبناء الأردن في الخارج يظلون على صلة وثيقة بوطنهم، يتقاسمون معه الألم، ويقفون إلى جانب أهله في أصعب الظروف.
ومن لندن، حيث اجتمع الأردنيون على ضوء الشموع، جاءت الرسالة بأن الوطن أكبر من كل خلاف، وأن روابط الأخوّة والمحبة التي تجمع أبناءه أقوى من محاولات الفتنة، وأن استذكار الشهداء لا يكتمل إلا بالتمسك بالقيم التي تحمي الإنسان وتصون كرامته وتدعم وحدة المجتمع.
فالشهداء الذين غابوا بأجسادهم سيبقون حاضرين في وجدان الوطن وذاكرة أبنائه، وسيظل الوفاء لأرواحهم دعوة متجددة إلى التكاتف والتراحم، وإلى حماية الأردن من كل ما يهدد أمنه واستقراره.
الأردن الذي يجمع أبناءه على اختلاف منابتهم وأصولهم سيبقى وطناً واحداً وقلباً واحداً؛ وطناً لا تفرّقه المحن، ولا تنال من وحدته محاولات الفتنة، وتبقى فيه الأخوّة أعمق من الاختلاف، والمحبة أقوى من الكراهية، والانتماء للوطن هو الرابط الذي يجمع الجميع تحت راية واحدة.