لندن: محمد الطّورة
انطلاقاً من الانتماء الصادق للأردن، والحرص على مصالحه وصورته، يواصل موقع «العموم نيوز» في لندن متابعته للشأن الأردني، مؤمناً بأن الوفاء للوطن لا يكون بالمجاملة، بل بالنقد المسؤول وتسليط الضوء على مواطن الخلل سعياً إلى إصلاحها. فاحترام المسؤول لا يعني إعفاءه من المساءلة، ومحبة الوطن تقتضي قول الحقيقة لا تجميل الواقع. ومن هذا المنطلق، نتوقف عند التصريح الذي أُرجعت فيه أسباب تجمّع مياه الأمطار إلى أوراق الأشجار والأتربة، لنتساءل: هل يكفي تحديد أسباب المشكلة، أم أن المسؤولية الحقيقية تبدأ من الاستعداد المسبق لمنع وقوعها؟
كم كنت أتمنى لو أن عطوفة المحافظ، الذي نجلّ ونحترم، لم يُطلق ذلك التصريح الذي حمّل فيه أوراق الأشجار والأتربة مسؤولية تجمّع مياه الأمطار في الشوارع، بحجة تسببها في إغلاق المصارف ومنافذ تصريف المياه. ليس انتقاصاً من حق عطوفته في توضيح ما جرى، ولا اعتراضاً على ذكر الأسباب المباشرة للمشكلة، وإنما لأن التصريحات التي تصدر في مثل هذه الظروف ينبغي أن تُسهم في احتواء التساؤلات، لا أن تفتح أبواباً أوسع للمساءلة، وأن تقدّم إجابات مقنعة، لا أن تضع المؤسسات المعنية أمام أسئلة كان يُفترض أن تكون قد أجابت عنها بإجراءاتها واستعداداتها قبل وقوع المشكلة.
ومع كامل الاحترام لشخص عطوفة المحافظ وموقعه، فإنني أرى أن هذا التصريح لم يخدم الغاية المرجوّة منه؛ إذ إن إرجاع أسباب تجمع المياه إلى أوراق الأشجار والأتربة لا يُنهي النقاش حول المسؤولية، بل ينقله إلى مستوى أعمق وأكثر إلحاحاً: من المسؤول عن بقاء هذه الأوراق والأتربة في مصارف المياه؟ ومن كان عليه أن يتوقع تراكمها؟ ولماذا لم تُتخذ الإجراءات اللازمة لإزالتها قبل أن تتحول الأمطار إلى مشهد من تجمع المياه في الشوارع؟
كنت أتمنى أن يُترك المجال لأمين عمّان الكبرى، بصفته المسؤول عن إدارة شؤون الأمانة ومرافقها، للخروج إلى المواطنين وتوضيح حقيقة ما حدث، وبيان أسباب الخلل، والإجراءات التي اتُّخذت استعداداً للموسم المطري، وما إذا كانت هناك ثغرات في أعمال التنظيف والصيانة والاستعداد. فالمواطن لا يريد تبريراً بقدر ما يريد تفسيراً متكاملاً، ولا يبحث عن جهة تُلقى عليها المسؤولية بقدر ما ينتظر أن يعرف لماذا تتكرر المشكلة كل عام، وما الذي ستفعله الجهات المعنية كي لا تتكرر مرة أخرى.
وهنا تكمن المفارقة في التصريح؛ فما قد يكون المقصود منه تفسير سبب تجمع المياه، تحوّل في نظر المتلقّي إلى تساؤل عن جاهزية المؤسسات الرسمية، وعلى وجه الخصوص أمانة عمّان الكبرى. فحين يُقال إن أوراق الأشجار والأتربة أغلقت المصارف، فإن أول ما يتبادر إلى ذهن المواطن ليس أن الأشجار أخطأت حين أسقطت أوراقها، ولا أن الأتربة ارتكبت مخالفة حين تراكمت، بل أن هذه المسببات معروفة ومتوقعة، وأن التعامل معها يفترض أن يكون جزءاً أصيلاً من خطة الاستعداد للموسم المطري.
فهل أصبح تساقط أوراق الأشجار حدثاً مفاجئاً؟ وهل بات تراكم الأتربة أمراً يستعصي على التوقع؟ وهل يحتاج الاستعداد لفصل الشتاء إلى اكتشاف أن المصارف قد تنسدّ إذا لم تُنظّف، وأن المياه ستتجمع إذا لم تجد طريقها إلى التصريف؟ إنها أسئلة تبدو بديهية، لكنها تصبح مشروعة وضرورية عندما تتكرر المشاهد ذاتها، عاماً بعد عام، مع كل موسم مطري، وكأننا أمام ظاهرة لم يسبق أن عرفناها، أو مشكلة لم تتح للمؤسسات المعنية فرصة الاستعداد لها.
إن الموسم المطري ليس طارئاً على العاصمة، ولا الأمطار حدثاً استثنائياً لا يمكن الاستعداد له. إنه استحقاق سنوي معروف، تقتضي المسؤولية الإدارية والمهنية التعامل معه بخطط مسبقة، تشمل تنظيف المصارف ومنافذ تصريف المياه، وإزالة العوائق، وفحص جاهزية البنية التحتية، وتحديد نقاط الضعف ومعالجتها قبل هطول الأمطار. وهذه ليست إجراءات إضافية يمكن الاستغناء عنها، بل هي من صميم الواجبات التي يُفترض أن تؤديها الجهات المعنية بحماية المرافق العامة وضمان سلامة المواطنين وانسيابية الحركة في الشوارع.
وإذا كانت أوراق الأشجار والأتربة قد أدت فعلاً إلى إغلاق بعض المصارف، فإن ذلك لا ينبغي أن يكون نهاية التفسير، بل بدايته. فالسبب المباشر يختلف عن المسؤولية عن منع وقوعه، وشرح كيفية حدوث المشكلة لا يُغني عن توضيح أسباب عدم تجنّبها. وبين الأمرين مسافة واسعة لا يجوز تجاوزها بتصريح مقتضب؛ لأن مسؤولية الإدارة لا تقتصر على التعامل مع المشكلة بعد وقوعها، وإنما تبدأ من توقعها والاستعداد لها واتخاذ ما يلزم لمنعها أو الحد من آثارها.
وليس الهدف من هذا الحديث تحميل جهة بعينها المسؤولية قبل التحقق من الوقائع، ولا إنكار احتمال وجود ظروف فنية أو ميدانية أسهمت في تجمع المياه، وإنما المطالبة بأن تكون الإجابة بمستوى السؤال، وأن تخضع الإجراءات للتقييم، وأن تُحدَّد أوجه الخلل بوضوح، وأن يتحمل كل طرف مسؤوليته وفق اختصاصه. فالمحاسبة لا تعني التجني على أحد، كما أن الاحترام لا يعني الامتناع عن النقد، والمسؤولية العامة تقتضي أن تكون المصلحة العامة فوق الاعتبارات الشخصية والإدارية.
ولعل ما كان يستحق الأولوية في هذه الحالة هو توجيه الاهتمام إلى جاهزية الجهات المعنية، والتأكد من قيامها بواجباتها، ومراجعة خططها وإجراءاتها، لا الاكتفاء بتسمية العوامل التي أدت إلى المشكلة. فالمواطن الذي يواجه المياه المتجمعة في الشارع لا يعنيه كثيراً أن يعرف أن ورقة شجر سدت مصرفاً، بقدر ما يعنيه أن يعرف لماذا لم يُنظّف المصرف، ومن كان مسؤولاً عن متابعته، وما الضمانات التي تحول دون تكرار المشهد.
إن التصريحات الرسمية ليست مجرد كلمات تُقال لتفسير حدث عابر؛ إنها رسائل تحمل دلالات، وتكشف طريقة التعامل مع الأزمات، وقد تفتح باب الثقة أو توسّع دائرة الشكوك. والمسؤول حين يتحدث باسم موقعه لا يُقيَّم تصريحه فقط بمدى مطابقته لسبب فني محتمل، وإنما أيضاً بقدرته على تقديم صورة متكاملة عن المسؤولية، وإظهار الجدية في المعالجة، وطمأنة الناس بأن ما حدث لن يُترك ليتكرر دون مراجعة أو مساءلة.
ولذلك، فإنني كنت أتمنى لو أن عطوفة المحافظ اكتفى بالتأكيد على ضرورة الوقوف على الأسباب الحقيقية لتجمع المياه، ووجّه الجهات المعنية إلى مراجعة إجراءات الاستعداد للموسم المطري، وترك لكل مؤسسة أن توضح ما قامت به وما لم تقم به، بعيداً عن أي تبرير قد يُفهم منه أن المشكلة انتهت بمجرد تحديد ما تسبب بها. فالمسؤولية لا تُقاس بقدرة المسؤول على تفسير ما حدث، بل بقدرته على ضمان ألا يتكرر ما كان بالإمكان تفاديه.
إن الهروب من جوهر المشكلة لا يحلّها، وتسمية الأسباب لا تعني إعفاء المسؤولين عن معالجتها، مهما كانت قوة التصريح أو مكانة صاحبه. بل إن بعض التصريحات، حين لا تُحسن تقدير أثرها، قد تضع صاحبها والمؤسسات التي يُراد الدفاع عنها أمام تساؤلات أشد من تلك التي سبقت التصريح.
وفي النهاية، فإن أوراق الأشجار والأتربة ليست سوى عوامل طبيعية متوقعة، أما تحويلها إلى سبب لتجمع المياه دون الإجابة عن سؤال الاستعداد والوقاية، فهو ما يجعل التبرير موضع نقاش ومساءلة. فالمطلوب ليس البحث عن شماعة تُعلّق عليها المشكلة، بل البحث عن مكمن الخلل، ومعالجته، وضمان عدم تكراره.
لقد كان بالإمكان أن يكون التصريح مدخلاً لمراجعة الأداء وتصويب الخلل، لكنه، بدلاً من ذلك، أعاد تسليط الضوء على سؤال التقصير. وهكذا، حين يُراد للتبرير أن يُنهي الجدل، قد ينتهي به الأمر إلى توسيعه؛ وحين يُراد للتصريح أن يبرّئ الموقف، قد يتحوّل إلى إدانةٍ للتقصير.