لم تكن المدينة فقيرة إلى الأحلام، بل كانت فقيرة إلى من يمنحها فرصةً واحدة كي تعيش.
في طرفها البعيد، خلف سور قديم، كانت تقوم مقبرة لا تشبه المقابر. لم تكن شواهدها تحمل أسماء الموتى، بل أسماء الأشياء التي انتظرها الناس طويلاً: وظيفة مؤجلة، وبيت لم يُبنَ، وعدالة لم تصل، ومدرسة بقيت على الورق، ومستشفى طال انتظاره، ووطن حلم به أبناؤه ولم يعرفوا متى يصبح الحلم حقيقة.
كان جعفر حارس المقبرة. يعرف الحكايات كلها، ويحفظ في ذاكرته وجوه الذين جاؤوا ذات مساء يحملون أحلامهم بأيديهم، ثم غادروا بخطوات مثقلة، كأنهم يدفنون شيئاً من أعمارهم لا من أمنياتهم فقط.
ذات صباح، جاء طفل صغير وسأله:
— يا عم جعفر، لماذا توجد هنا قبور كثيرة، ولا يوجد قبر واحد لإنسان؟
أجابه جعفر وهو يمسح الغبار عن شاهد حجري:
— لأن بعض الأحلام تموت قبل أصحابها.
تأمل الطفل القبور قليلاً، ثم أشار إلى مساحة خالية في آخر المقبرة.
— ولمن هذا القبر؟
صمت جعفر. كان يعرف أن السؤال أكبر من عمر صاحبه، وأن الإجابة قد تكون أقرب مما يتصور.
في اليوم التالي، احتشد الناس في ساحة المدينة ليستمعوا إلى خطاب مسؤول جديد. تحدث عن المستقبل، وعن الإصلاح، وعن فرص العمل، وعن العدالة التي ستصل إلى الجميع. صفق الحاضرون، ثم عاد كل واحد منهم إلى حياته، يحمل الكلمات نفسها التي سمعها من مسؤولين سبقوه.
عند المساء، وقف جعفر أمام المسؤول، وسأله بهدوء:
— أين تذهب الوعود القديمة حين تنتهي صلاحيتها؟
نظر المسؤول إليه باستغراب، ثم أجاب:
— بناء الأوطان يحتاج إلى وقت.
ابتسم جعفر ابتسامة حزينة، وعاد إلى مقبرته، وكتب على ورقة صغيرة: «حلم جديد: أن تصبح الإجابة عن السؤال حقاً، لا منّة من أحد».
وفي تلك الليلة، جاء فؤاد، الرجل الذي قضى سنوات طويلة داخل السلطة. كان يحمل معولاً وظرفاً مغلقاً، وبدت على وجهه علامات رجل لم يعد قادراً على الهرب من نفسه.
قال لجعفر:
— جئت لأدفن آخر أحلامي.
سأله الحارس:
— وما حلمك؟
أطرق فؤاد رأسه، ثم قال:
— كنت أؤمن أنني أستطيع تغيير الأشياء من الداخل. لكنني، في كل مرة، اخترت الصمت. أقنعت نفسي أن الصمت حكمة، وأن التأجيل ضرورة، حتى وجدتني شريكاً في دفن ما كنت أؤمن به.
فتح الظرف، وأخرج رسالة كتب فيها: «سيدي، لقد انتهى زمن التأجيل».
لم يسأله جعفر إلى من يوجه الرسالة، ولم يسأله إن كان سيجرؤ على إرسالها. كان يعرف أن بعض الرسائل لا تُكتب لتصل إلى أصحابها فقط، بل لتوقظ أصحابها أيضاً.
قال له:
— الأحلام لا تُنقذ بالكلمات التي تُقال في الظلام، بل بالأفعال التي لا نخجل منها في وضح النهار.
ترك فؤاد الرسالة ومضى، بينما بقي جعفر يتأمل القبر الفارغ.
وقبل الفجر بقليل، ظهر شاب اسمه إبراهيم، يحمل ملفاً أوراقه مهترئة من كثرة ما تنقل بين المكاتب. كان قد تخرج في الجامعة، وطرق أبواب العمل مرات كثيرة، وفي كل مرة يعود بجملة جديدة تشبه الجمل القديمة: لا توجد شواغر، انتظر قليلاً، راجعنا لاحقاً.
قال إبراهيم:
— جئت أبحث عن حلمي. أخشى أن يكون قد دُفن هنا من دون أن أعرف.
أخذ جعفر الملف، قلب أوراقه، ثم أعاده إليه.
— حلمك لم يُدفن بعد.
سأله إبراهيم:
— وكيف تعرف؟
أجابه الحارس:
— لأنك جئت تبحث عنه، لا لتستسلم لفقدانه.
في تلك اللحظة، عاد الطفل نفسه، ووقف أمام القبر الفارغ. أخرج من جيبه بذرة صغيرة، ووضعها في التراب، ثم قال:
— سأزرع هنا شجرة، حتى لا يبقى هذا المكان مقبرة إلى الأبد.
لم يضحك جعفر، ولم يمنعه. ساعده على تغطية البذرة بالتراب، ثم وقف الثلاثة أمام المساحة الصغيرة: الحارس الذي حفظ ذاكرة الأحلام، والشاب الذي رفض دفن مستقبله، والطفل الذي لم يتعلم بعد كيف يخاف.
كانت المدينة تستيقظ خلف السور، وتستعد ليوم جديد من الوعود القديمة.
أما في المقبرة، فقد حدث شيء لم يحدث من قبل؛ لم يأتِ أحد لدفن حلم، بل جاء طفل ليزرع أملاً.
نظر جعفر إلى القبر الفارغ، وأدرك أن أخطر ما يمكن أن يحدث للأوطان ليس أن تتأخر أحلامها، بل أن يقتنع أبناؤها بأن التأجيل قدر لا يتغير.
فالأوطان لا تُقاس بكثرة الوعود التي تُطلق باسمها، بل بالأحلام التي تمنحها فرصة للحياة.