لندن: محمد الطّورة
هذا سؤال يتكرر كثيراً في الداخل الأردني: لماذا تتغير الحكومات ورؤساء الوزراء، وتتبدل تركيبة الفريق الوزاري، بينما يبقى وزير الخارجية في موقعه لفترات طويلة؟ وهل يعود ذلك إلى طبيعة الملفات السياسية التي يحملها، أم إلى ارتباطه المباشر بالملك؟
قبل الإجابة، أود أن أوضح أن ما أطرحه هنا ليس مجرد قراءة سياسية، وإنما يستند إلى خبرة امتدت لأكثر من ثلاثة عقود في العمل في البعثات الدبلوماسية الأردنية في الخارج، وما توفره هذه التجربة من معرفة بطبيعة العمل الدبلوماسي وأهمية الاستمرارية في إدارة السياسة الخارجية.
ومن وجهة نظري، لا يمكن تفسير استمرار وزير الخارجية بعامل واحد. فهناك أولاً طبيعة الموقع والملفات التي يتولاها. السياسة الخارجية لا تتغير مع كل حكومة؛ فالعلاقات العربية والدولية، والقضية الفلسطينية والقدس، والعلاقات مع القوى الكبرى، والملفات الإقليمية، كلها قضايا استراتيجية تحتاج إلى تراكم في الخبرة والمعرفة والعلاقات.
ولهذا فإن تغيير وزير الخارجية مع كل تغيير حكومي قد لا يكون بالضرورة في مصلحة الدولة. فالوزير الذي أمضى سنوات في موقعه يراكم علاقات واتصالات مع نظرائه وصناع القرار في الدول الأخرى، ويعرف تفاصيل الملفات ومواقف الأطراف المختلفة، وهي أمور لا يمكن بناؤها بين ليلة وضحاها.
والتاريخ الدبلوماسي الأردني يقدم لنا أمثلة واضحة على ذلك. فقد عرف الأردن وزراء خارجية استمروا لسنوات وعبر حكومات متعاقبة، وكان لهم دور بارز في السياسة الخارجية، من بينهم عبدالإله الخطيب، ومروان المعشر، وناصر جودة، وكل منهم ترك بصمة في مرحلة مختلفة من مراحل الدبلوماسية الأردنية.
ومن هنا، فإن استمرار معالي أيمن الصفدي في موقع وزير الخارجية لا أراه أمراً جاء من فراغ. فهو، إلى جانب الخبرة السياسية والدبلوماسية المتراكمة، يمتلك خلفية صحفية وإعلامية ساعدته في التعامل مع الإعلام الدولي، وفي إيصال الموقف الأردني والدفاع عنه في المحافل المختلفة، خصوصاً في الملفات الإقليمية شديدة الحساسية.
ولا يتوقف الأمر عند وزير الخارجية وحده، فالسؤال يتعداه أيضاً إلى بعض السفراء في عدد من السفارات المهمة في الخارج. فما أسباب استمرار بعضهم في مواقعهم لفترات طويلة، في الوقت الذي يتم فيه تدوير زملاء لهم في سفارات أخرى ضمن مدد أقصر؟ وما هي المعايير التي تحكم هذا التفاوت في مدد البقاء؟ وهل هناك مبررات أو استثناءات واضحة تفسر استمرار بعض السفراء في مواقعهم أكثر من المدد المعتادة؟
أما الحديث عن علاقته المباشرة بالملك، فأعتقد أن علينا أن نقرأه في إطار طبيعة النظام السياسي الأردني. فالملك هو صاحب الدور الأساسي في رسم السياسة الخارجية للدولة، ووزير الخارجية هو أحد أبرز المسؤولين عن ترجمة هذه السياسة إلى مواقف واتصالات وتحركات دبلوماسية.
لذلك، فإن الثقة السياسية مهمة بلا شك، لكنها ليست بالضرورة التفسير الوحيد للاستمرار. فالكفاءة، والخبرة، والقدرة على إدارة الملفات، ومعرفة شبكة العلاقات الدولية، كلها عوامل تدخل في اختيار الشخص الذي يبقى في هذا الموقع.
وربما يكون السؤال الأهم ليس: لماذا يبقى وزير الخارجية بينما يتغير رئيس الوزراء؟
بل: لماذا تحتاج الدولة إلى الاستمرارية في وزارة الخارجية أكثر من حاجتها إليها في رئاسة الوزراء؟
والإجابة، من وجهة نظري، تكمن في الفرق بين طبيعة الموقعين.
رئيس الوزراء يدير مرحلة حكومية تتأثر بالظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الداخلية، بينما وزير الخارجية يتعامل مع ملفات دولة واستراتيجيات وعلاقات تمتد لسنوات وتتجاوز عمر الحكومات.
لذلك، فإن بقاء وزير الخارجية لا يعني بالضرورة أن الشخص أهم من الحكومة، ولا يعني بالضرورة أنه فوق التغيير، وإنما قد يعني ببساطة أن الاستمرارية في السياسة الخارجية أصبحت جزءاً من مصلحة الدولة نفسها.
ومن واقع تجربتي في العمل في السفارات الأردنية، أعتقد أن هذا هو المفتاح لفهم الظاهرة:
الحكومات قد تتغير، لكن مصالح الدولة وعلاقاتها الدولية لا تتغير بالسرعة نفسها. ولهذا تحتاج السياسة الخارجية إلى قدر من الاستقرار والاستمرارية.