(سألني ذات يوم مسؤول رفيع المستوى: لماذا تفضّل الجلوس في الصفوف الخلفية؟ ابتسمت وقلت: لأنني أخشى أن يكون بعض الجالسين في الصفوف الأمامية أولَ من يتراجعون إذا أُطلقت رصاصة في وجه الوطن. أنا لا أقيس الرجال بأماكن جلوسهم، بل بمواقفهم حين تختبرهم الشدائد؛ فليس كل من يتصدّر المشهد شجاعاً، وليس كل من يجلس في الخلف متأخراً عن الوطن. فثمة رجالٌ يتركون المقاعد الأمامية لغيرهم، لكنهم يتقدّمون الصفوف حين يصبح الوطن في مرمى النار..!)
من هنا أقول:
ليس أخطر على الحياة السياسية من أن تتحول المبادئ إلى شعارات للاستهلاك، وأن تصبح المواقف مجرد أقنعة يتبدل لونها بتبدل المصالح، وأن يتحدث السياسي عن الوطن بلسان العاشق، بينما يضع حساباته الشخصية فوق مصلحة الوطن والمواطن. هنا لا نكون أمام اختلاف في الرأي، ولا أمام اجتهاد سياسي قابل للنقاش، بل أمام ظاهرة أكثر خطورة، اسمها النفاق السياسي.
النفاق السياسي ليس جديداً في تاريخ الأمم، لكنه يزداد خطورة حين يصبح سلوكاً مألوفاً، وحين يعتاد الناس رؤية السياسي وهو يقول شيئاً ويفعل نقيضه، ثم يخرج إلى الجمهور بوجه الواثق، وكأن الذاكرة الوطنية قصيرة، وكأن الشعوب لا تحفظ الوجوه ولا تقرأ ما بين الكلمات.
في السياسة، قد تتغير المواقف بفعل الظروف، وقد تفرض المصالح الوطنية مراجعة بعض القرارات، وهذا أمر طبيعي في عالم تحكمه المتغيرات. لكن الفارق كبير بين سياسي يراجع موقفه بشجاعة ويشرح أسباب تحوله للرأي العام، وبين آخر يبدل مواقفه وفق اتجاه الريح، ويمنح كل مرحلة خطاباً يناسبها، دون أن يشعر بأن عليه تفسير التناقض أو الاعتذار عن خذلان من صدقوه.
السياسي الصادق لا يخجل من الاعتراف بالخطأ، ولا يرى في مراجعة المواقف انتقاصاً من مكانته. أما المنافق سياسياً، فيتعامل مع الحقيقة بوصفها عبئاً، ومع الذاكرة بوصفها خصماً، ومع الجمهور باعتباره جمهوراً قابلاً للتصفيق متى أُحسن اختيار الكلمات وتوزيع الوعود.
خطورة النفاق السياسي لا تكمن في الكذب وحده، بل في قدرته على إفساد المعايير التي يميز بها المجتمع بين الصادق والكاذب، وبين صاحب المبدأ وتاجر المواقف. فعندما يتساوى المخلص والمتلون في فرص الوصول إلى المواقع، وعندما يكافأ صاحب الخطاب المرتفع لا صاحب الإنجاز الحقيقي، تتراجع قيمة العمل العام، ويصبح الوصول إلى السلطة غاية تبرر الوسائل، بدلاً من أن تكون المسؤولية تكليفاً أخلاقياً ووطنياً.
ولعل الأخطر من السياسي المنافق هو المناخ الذي يسمح له بالاستمرار. فالنفاق لا يعيش في فراغ، بل يجد بيئته المناسبة حين تغيب المساءلة، وتضعف الرقابة، وتتحول المؤسسات إلى منصات للمجاملات، وحين يصبح الولاء للأشخاص أهم من الالتزام بالقانون، وتغدو المصالح الضيقة أقوى من المصلحة العامة.
في مثل هذا المناخ، لا يعود المواطن يسأل: ماذا قدم هذا المسؤول؟ بل يصبح السؤال: إلى من ينتمي؟ ومن يدعمه؟ وما الذي يستطيع أن يمنحه؟ وهنا تبدأ السياسة بفقدان معناها الحقيقي، وتتحول من مساحة لخدمة الناس وإدارة شؤونهم إلى سوق تتبادل فيه النخب المنافع، بينما يقف المواطن خارج المشهد، يراقب الوعود وهي تتكرر، والأزمات وهي تتراكم، والوجوه ذاتها وهي تتقن إعادة تقديم نفسها في كل موسم.
إن النفاق السياسي يضرب الثقة في أساسها. والثقة ليست تفصيلاً ثانوياً في بناء الدولة، بل هي إحدى ركائز العلاقة بين المجتمع ومؤسساته. وحين يفقد المواطن ثقته بالخطاب السياسي، لا يعود مقتنعاً بسهولة بالبرامج ولا بالوعود، وقد ينسحب من المشاركة العامة، أو يفقد إيمانه بجدوى الإصلاح، أو يعتقد أن جميع المواقف متشابهة، وأن الصدق في الحياة السياسية مجرد استثناء نادر.
وهذه النتيجة تمثل خطراً بالغاً؛ لأن المجتمعات لا تتقدم بالقرارات وحدها، وإنما تحتاج أيضاً إلى الإيمان بإمكان التغيير، وإلى الشعور بأن الصوت مسموع، وأن المسؤولية ليست امتيازاً شخصياً، وأن من يتولى الشأن العام سيخضع للمعايير ذاتها التي يُطالب المواطنين باحترامها.
وفي عالمنا العربي، حيث تواجه المجتمعات تحديات اقتصادية واجتماعية وسياسية متشابكة، تصبح الحاجة إلى الصدق السياسي أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فالمواطن الذي يواجه أعباء المعيشة، ويبحث عن فرصة عمل، وينتظر خدمات أفضل، لا يحتاج إلى خطب مزخرفة بعبارات التفاؤل بقدر حاجته إلى مسؤول يضع الحقائق أمامه، ويعترف بمواطن الخلل، ويقدم حلولاً قابلة للتنفيذ، ويقبل المحاسبة على ما وعد به.
ليس مطلوباً من السياسي أن يكون معصوماً من الخطأ، ولا أن يمتلك إجابات جاهزة عن كل الأسئلة، لكن المطلوب أن يكون واضحاً في مواقفه، أميناً في خطابه، متسقاً قدر الإمكان بين ما يقول وما يفعل. فالمواطن قد يتفهم العجز حين تكون أسبابه معلنة، لكنه يصعب أن يتفهم الخداع حين يكتشف أن الوعود لم تكن سوى وسيلة لكسب الوقت أو استرضاء الجمهور.
والنفاق السياسي لا يتوقف عند حدود الأفراد؛ فقد يتسلل إلى الأحزاب والتيارات والمؤسسات، حين ترفع شعارات الإصلاح دون أن تمارس الديمقراطية داخلها، أو تتحدث عن العدالة بينما تحتكر القرار، أو تدافع عن الحريات في خطابها ثم تضيق ذرعاً بالرأي المخالف. عندها تصبح المبادئ زينة لغوية، لا قواعد تحكم السلوك والممارسة.
ومن هنا، فإن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بتبادل الاتهامات، ولا بتخوين الخصوم، ولا بإطلاق الأحكام على كل من يغير رأيه. إنما تبدأ بإرساء ثقافة سياسية تحترم الحقيقة، وتفصل بين النقد والإساءة، وتمنح الرأي العام حق معرفة الوقائع، وتربط المسؤولية بالمحاسبة، وتضع البرامج والإنجازات فوق الشعارات والعلاقات الشخصية.
كما أن للإعلام دوراً أساسياً في هذه المواجهة؛ فالإعلام الذي يكتفي بنقل التصريحات دون مساءلة، ويعامل الوعود باعتبارها إنجازات، يمنح النفاق السياسي مساحة إضافية للانتشار. أما الإعلام المهني، فيستعيد الوقائع، ويقارن بين الأقوال والأفعال، ويطرح الأسئلة الصعبة، دون أن يتحول إلى خصم سياسي أو أداة لتصفية الحسابات.
ولا يمكن إغفال مسؤولية المواطن نفسه، فالتصفيق غير المشروط لا يصنع قيادة مسؤولة، والتعصب للأشخاص لا يحمي الأوطان، والتغاضي عن التناقضات الصغيرة قد يفتح الباب أمام تجاوزات أكبر. إن الوعي السياسي يبدأ حين يحكم المواطن على الأداء لا على البلاغة، وعلى النتائج لا على الوعود، وعلى احترام القانون لا على براعة صاحبه في الحديث عنه.
في النهاية، ليست السياسة حرفة إتقان الكلام، ولا مسابقة في توزيع الوعود، ولا مسرحاً يتبادل فيه السياسيون الأدوار بحسب مقتضيات اللحظة. السياسة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون موقعاً أو سلطة، والوطن ليس ورقة انتخابية، والمواطن ليس رقماً في حسابات المصالح.
إن أخطر ما يفعله النفاق السياسي أنه لا يخدع الناس مرة واحدة فحسب، بل يحاول إقناعهم بأن الخداع هو القاعدة، وأن الصدق سذاجة، وأن المبادئ ترف لا مكان له في حسابات القوة والمصلحة.
لكن الأوطان لا تُبنى على الأقنعة، والدول لا تستقيم بتجميل التناقضات، والشعوب مهما طال صمتها ليست بلا ذاكرة. قد يتأخر انكشاف الحقيقة، وقد ينجح الخطاب المضلل في كسب جولة، لكن التاريخ يضع في النهاية فاصلاً واضحاً بين من خدموا أوطانهم بصدق، ومن استخدموا الوطن جسراً إلى مصالحهم.
فحين ترتدي المصالح قناع المبادئ، تصبح مهمة الوعي أن يكشف الوجه الحقيقي، وتصبح مسؤولية المجتمع أن يرفض تحويل السياسة إلى فن للمراوغة، وأن يستعيد المعنى الأصيل للمسؤولية: أن تقول ما تؤمن به، وأن تفعل ما تقول، وأن تدرك أن ثقة الناس أمانة لا يجوز العبث بها.