لندن: محمد الطّورة
لم يكن اختياري الكتابة عن جلالة الملك عبدالله الثاني وجلالة الملكة رانيا العبدالله في موقع العموم نيوز، الصادر من لندن، أمرًا عابرًا، بل جاء من موقع إقامتي في هذه المدينة، ومن شعوري بأن الكتابة عن الوطن وقيادته من خارج حدوده تكتسب بُعدًا خاصًا؛ إذ يلتقي فيها الانتماء الذي نحمله في وجداننا مع الرؤية التي تتشكل من متابعة حضور الأردن ومواقفه في المحافل الدولية. ففي لندن، حيث تتقاطع السياسة والثقافة والإعلام، تبدو أهمية الحديث عن الأردن أكبر من مجرد استعراض الإنجازات أو تسجيل المواقف؛ إنها فرصة للتعريف بما يحمله هذا البلد من ثوابت، وما تبذله قيادته من جهود في مواجهة التحديات، وما تمثله قضاياه من امتداد إنساني وسياسي يتجاوز حدوده الجغرافية.
ومن هنا، وجدت أن الكتابة عن جلالتيهما في منبر إعلامي يصدر من لندن تتيح لي أن أتناول هذه المسيرة من زاويتين متكاملتين: زاوية الوطن وتطلعات أبنائه، وزاوية حضوره في العالم وما تستدعيه مواقفه من قراءة وتقدير. وهي، في جوهرها، محاولة للتعبير عن صلة لا تنقطع بالوطن مهما ابتعدت المسافات، وعن قناعة بأن الإنصاف في تناول الجهود، والوعي بالتحديات، والحرص على المصلحة الوطنية، جميعها وجوه لمسؤولية الكاتب تجاه بلده وقضاياه.
ليست مكانة القادة بما يُقال عنهم من عبارات الإشادة، ولا بما يحظون به من مظاهر التكريم، بل بما يتركونه من أثر في حياة شعوبهم، وما يتخذونه من مواقف في مواجهة التحديات، وما يبذلونه من جهود في خدمة الإنسان وتعزيز السلام والاستقرار.
ومن هذا المنطلق، يبرز الحديث عن جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين وجلالة الملكة رانيا العبدالله، بما يجمع مسيرتهما من مسؤولية وطنية واهتمام إنساني وحضور دولي، جعل الأردن حاضرًا في قضايا المنطقة والعالم، رغم ما يواجهه من تحديات اقتصادية وإقليمية.
جلالة الملك عبدالله الثاني: الوطن والمواطن أولًا
منذ تسلّمه سلطاته الدستورية عام 1999، يقود جلالة الملك عبدالله الثاني مسيرة الأردن وسط تحديات إقليمية واقتصادية معقدة، واضعًا استقرار الوطن وتطوير مؤسساته وتعزيز قدرته على مواجهة الأزمات في صلب مسؤولياته. وقد ارتبطت رؤيته بمسارات التحديث السياسي والاقتصادي والإداري، والسعي إلى توسيع فرص التنمية وتحسين مستوى الخدمات، بما يعزز قدرة الدولة على الاستجابة لتطلعات مواطنيها.
وقد انعكست هذه الجهود، عبر مسيرة متواصلة من العمل والتطوير، على جوانب متعددة من حياة الأردنيين، من خلال تعزيز فرص التنمية، والاهتمام بالتعليم والصحة، وتطوير الخدمات، والسعي إلى تحسين الظروف المعيشية. وتبقى هذه المسيرة مفتوحة على مزيد من الإنجاز والارتقاء، بما يواكب تطلعات المواطنين ويستجيب لاحتياجاتهم المتجددة. فالأردنيون يتطلعون إلى توسيع فرص العمل، والارتقاء بجودة الخدمات، وتعزيز قدرتهم على مواجهة أعباء المعيشة، وتهيئة آفاق أرحب لأبنائهم لبناء مستقبل أفضل. ومن هنا، فإن مواصلة الإصلاح، وتطوير الأداء المؤسسي، والاستماع إلى المواطنين، ومعالجة التحديات الاقتصادية والاجتماعية، تمثل امتدادًا طبيعيًا لجهود القيادة في خدمة الوطن والإنسان، وتعزيز ما تحقق والبناء عليه نحو مزيد من التقدم والازدهار.
إن الاعتزاز بالوطن وقيادته لا يتعارض مع الطموح إلى الأفضل، بل إن العمل على تحسين حياة المواطنين وتوسيع فرصهم وتعزيز ثقتهم بمؤسسات الدولة هو ما يمنح الإنجاز الوطني معناه الحقيقي.
جلالة الملكة رانيا العبدالله: الاستثمار في الإنسان
إذا كان استقرار الوطن أساس قوته، فإن بناء الإنسان أساس مستقبله. ومن هذا المنطلق، برز اهتمام جلالة الملكة رانيا العبدالله بالتعليم والطفولة، ودعم المعلمين والشباب، وتعزيز فرص التعلم والتمكين.
وقد تجسدت هذه الجهود في مبادرات ومؤسسات، من بينها مؤسسة الملكة رانيا للتعليم والتنمية، وأكاديمية الملكة رانيا لتدريب المعلمين، وجائزة الملكة رانيا للتميز التربوي، ومنصة «إدراك» للتعلم الإلكتروني باللغة العربية.
وتحمل هذه المبادرات رسالة تتجاوز حدود الأردن، مفادها أن التعليم ليس مجرد اكتساب للمعرفة، بل استثمار في الإنسان ووسيلة لتوسيع الفرص وبناء مستقبل أكثر عدلًا. كما امتد حضور جلالتها إلى المحافل الدولية للدفاع عن قضايا الأطفال والتعليم، ولا سيما في المجتمعات المتأثرة بالحروب والنزوح والحرمان.
وتظل القيمة الحقيقية لهذه الجهود في قدرتها على إحداث أثر مستدام، وتوسيع فرص التعلم، وتمكين الأجيال من امتلاك الأدوات التي تساعدها على بناء مستقبلها وخدمة مجتمعاتها.
الأردن في العالم: صوت للسلام والعمل الإنساني
في منطقة مثقلة بالصراعات، ظل جلالة الملك عبدالله الثاني يؤكد أهمية الحلول السياسية، وحماية المدنيين، ورفض تهجير الفلسطينيين، والدعوة إلى سلام عادل يستند إلى حل الدولتين.
وقد تجسد الدور الأردني في التحركات الدبلوماسية بشأن غزة، وفي جهود إيصال المساعدات الإنسانية، بما فيها عمليات الإنزال الجوي، واستضافة مؤتمر دولي للاستجابة الإنسانية العاجلة لغزة في حزيران 2024.
وعلى الصعيد الدولي، أعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، خلال زيارته الأردن في 25 آذار 2024، عن تقديره العميق لدور جلالة الملك في دعم السلام والمساعدات الإنسانية لسكان غزة. كما أشاد بجهود الأردن في مساندة اللاجئين، مؤكدًا أهمية دعم المجتمع الدولي للمملكة في تحمل أعباء الاستجابة الإنسانية.
ولا يقتصر حضور الأردن على علاقته بالولايات المتحدة، بل يمتد إلى شراكاته العربية والأوروبية والدولية. ويظل التنسيق مع القادة العرب بشأن القضية الفلسطينية وغزة ورفض التهجير والدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني محورًا أساسيًا في التحرك الأردني.
وتبرز أهمية هذه الجهود في السعي إلى توحيد المواقف، وحشد الدعم الإنساني والسياسي، وإبقاء الحل العادل والشامل حاضرًا في النقاشات الدولية. فقيمة الدبلوماسية لا تكمن في التصريحات وحدها، بل في قدرتها على بناء الشراكات، والدفاع عن المصالح الوطنية، والمساهمة في تخفيف معاناة المتضررين من الأزمات.
لقاء البيت الأبيض: محطة ذات دلالات سياسية
في 11 شباط 2025، استقبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب جلالة الملك عبدالله الثاني في البيت الأبيض، في لقاء جاء خلال الأسابيع الأولى من الولاية الرئاسية الثانية لترامب، وفي مرحلة حساسة تتعلق بمستقبل غزة والقضية الفلسطينية.
وقد أكد البيت الأبيض متانة العلاقات الأميركية الأردنية، وأشار إلى تقدير الرئيس ترامب للدور الأردني في تعزيز السلام الإقليمي.
وتكمن أهمية اللقاء في توقيته والملفات التي تناولها، وفي إتاحة المجال أمام جلالة الملك لعرض الموقف الأردني الرافض لتهجير الفلسطينيين، والتأكيد على مصالح المملكة واستقرارها.
ولا ينبغي النظر إلى هذا اللقاء باعتباره الدليل الوحيد على مكانة الأردن، بل باعتباره محطة مهمة ضمن شبكة واسعة من العلاقات العربية والدولية. فالحضور الحقيقي للدول لا يُقاس بمراسم الاستقبال وحدها، وإنما بقدرتها على إيصال مواقفها، والدفاع عن مصالحها، والمساهمة في صياغة الحلول.
في لندن: شراكة تاريخية وتقدير للدور الأردني
وللمملكة المتحدة مكانة خاصة في مسيرة العلاقات الدولية للأردن، بحكم الروابط التاريخية الممتدة بين البلدين، وما يجمعهما من تعاون سياسي وأمني وعسكري واقتصادي. وقد انعكس هذا التقارب في اللقاءات الملكية المتواصلة، وفي مواقف رسمية بريطانية أشادت بدور الأردن في دعم الاستقرار والسلام في المنطقة.
ففي تشرين الثاني 2024، استضاف الملك تشارلز الثالث جلالة الملك عبدالله الثاني في قلعة وندسور، في مناسبة اتسمت بما يليق بالعلاقات الملكية والتاريخية بين البلدين. كما سبق أن أشاد الملك تشارلز، خلال زيارته الأردن عام 2021 حين كان أميرًا لويلز، بدور جلالة الملك عبدالله الثاني بصفته صاحب الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، وبالدور الأردني في تعزيز الاعتدال والتفاهم بين الأديان.
وعلى مستوى الحكومة البريطانية، أكد رئيس الوزراء كير ستارمر، خلال لقائه جلالة الملك في داوننغ ستريت في حزيران 2025، أهمية الشراكة بين البلدين، وبحث الجانبان تطورات غزة، وسبل دعم السلام، وفرص توسيع التعاون التجاري والاستثماري. كما شكر ستارمر جلالة الملك، في اتصال هاتفي في تموز 2025، على جهود الأردن في إيصال المساعدات الإنسانية إلى غزة، وعلى مساعيه لخفض التصعيد في المنطقة.
وتكتسب هذه المواقف أهميتها لأنها تعكس تقديرًا رسميًا بريطانيًا لدور الأردن، ليس على مستوى العلاقات الثنائية فحسب، بل أيضًا في ملفات السلام والأمن والعمل الإنساني. وهي تؤكد أن مكانة الأردن في لندن تقوم على شراكة ممتدة ومصالح متبادلة، وعلى دور دبلوماسي تسعى المملكة من خلاله إلى حماية ثوابتها الوطنية والمساهمة في استقرار المنطقة.
مسؤولية مشتركة: كيف نكون عونًا لجلالة الملك والوطن؟
إن تقدير جهود جلالة الملك عبدالله الثاني والملكة رانيا العبدالله لا ينبغي أن يظل محصورًا في كلمات الإشادة، بل يجب أن يتحول إلى عمل ومسؤولية يؤديهما كل أردني من موقعه، سواء داخل الوطن أو خارجه.
فجلالة الملك، مهما بذل من جهود في الدفاع عن مصالح الأردن وتعزيز مكانته، يحتاج إلى مؤسسات تعمل بكفاءة، ومسؤولين يستشعرون مسؤولياتهم، وموظفين يجعلون خدمة المواطن غايتهم، وسفراء يمثلون وطنهم بما يليق به، وأبناء جاليات يسهمون في نقل صورته الحقيقية إلى العالم.
ومن هنا، فإن الدعوة موجهة إلى أصحاب المناصب والمسؤوليات في مؤسسات الدولة بأن يكونوا عونًا لجلالة الملك في خدمة الوطن، لا بالشعارات وحدها، بل بإنجاز معاملات المواطنين، وتبسيط الإجراءات، واحترام وقت الناس وكرامتهم، والتعامل مع احتياجاتهم بجدية ومسؤولية.
كما أن تحسين البيئة الاستثمارية مسؤولية وطنية ملحّة. فالأردن بحاجة إلى إجراءات واضحة وسريعة، وتشريعات مستقرة، وشفافية وتكافؤ في الفرص، بعيدًا عن التعقيدات البيروقراطية التي قد تثني المستثمرين عن إقامة مشاريعهم أو تدفع بعضهم إلى البحث عن فرص في الخارج.
فالمستثمر الذي يجد بيئة عادلة وإدارة فعالة يكون أكثر استعدادًا لتوظيف أمواله وتوسيع أعماله، بما يسهم في خلق فرص العمل وتحريك الاقتصاد. أما التأخير غير المبرر، وتعدد المراجعات، وتعقيد الإجراءات، فلا ترهق المستثمر وحده، بل تثقل كاهل المواطن وتضعف الثقة بالمؤسسات.
ولذلك، ينبغي أن يسأل كل مسؤول نفسه: هل تسهم الإجراءات التي أشرف عليها في حل مشكلات الناس، أم تزيدها تعقيدًا؟ وهل أساعد في فتح أبواب الاستثمار والعمل، أم أضع أمامهما مزيدًا من العقبات؟ إن الإصلاح يبدأ حين تتحول المسؤولية من شغل المنصب إلى خدمة الناس وتحقيق المصلحة العامة.
أما السفراء والدبلوماسيون، فعليهم مسؤولية تعزيز علاقات الأردن، وشرح مواقفه وثوابته، وفتح آفاق التعاون الاقتصادي والثقافي، والتواصل مع أبناء الجاليات الأردنية في الخارج. كما يستطيع أبناء هذه الجاليات، بما يحققونه من نجاحات وما يبنونه من علاقات، أن يكونوا جسورًا للتواصل والتعريف بوطنهم وإمكاناته، وأن يسهموا في جذب الاستثمارات وبناء شراكات نافعة للمملكة.
ولا يقل دور الإعلام أهمية عن هذه الأدوار؛ فالإعلام الذي يخدم وطنه ليس إعلامًا يصفق لكل قرار أو يتجاهل مواطن الخلل، بل إعلام مهني منصف، يمدح حين يستحق الإنجاز التقدير، وينتقد حين تظهر الأخطاء، ويستند في الحالتين إلى الوقائع والأدلة.
فالنقد المسؤول ليس خصومة مع الوطن، كما أن الإنصاف في الإشادة ليس تملقًا. والإعلام الذي يوازن بين كشف القصور وإبراز الإنجاز يساعد المجتمع على فهم واقعه، ويدفع المؤسسات إلى تحسين أدائها، ويعزز الثقة القائمة على الحقيقة لا على المبالغة.
إن مساندة الدولة لا تعني إعفاء مؤسساتها من المساءلة، بل تعني الحرص على أن تكون أكثر كفاءة وعدلًا وشفافية. وخدمة جلالة الملك والوطن تتحقق حين يؤدي كل مسؤول وموظف ودبلوماسي وإعلامي ومواطن واجبه بأمانة، ويسهم في بناء أردن أقوى وأكثر قدرة على مواجهة التحديات.
المكانة مسؤولية تتجدد
إن الحديث عن جلالة الملك عبدالله الثاني وجلالة الملكة رانيا العبدالله هو حديث عن مسؤولية القيادة، والاستثمار في الإنسان، والعمل من أجل وطن أكثر استقرارًا وازدهارًا، وعن الأردن الذي يسعى إلى أن يكون صوته حاضرًا في قضايا السلام والكرامة الإنسانية.
غير أن المكانة لا تصنعها الكلمات وحدها، وإنما يعززها العمل المتواصل، وتترسخ حين يلمس المواطن أثر الإنجاز في حياته، وحين يجد المستثمر بيئة واضحة وعادلة، وحين تؤدي المؤسسات واجباتها بكفاءة، ويمارس الإعلام دوره بموضوعية وإنصاف.
ومن هنا، فإن أصدق تعبير عن الاعتزاز بالقيادة هو أن نكون جميعًا شركاء في مسؤولية البناء والإصلاح؛ كلٌّ من موقعه، وبما يستطيع تقديمه. فالأردن لا يحتاج إلى الإشادة بإنجازاته فحسب، بل إلى مواصلة العمل من أجل إنجازات أكبر، وتحويل الرؤى إلى نتائج، والطموحات إلى فرص.
وهكذا يلتقي تقدير الداخل باحترام الخارج، حين تتكامل مسؤولية القيادة مع إخلاص المؤسسات، وحين تصبح خدمة المواطن أساس العمل العام، ويغدو الانتماء إلى الوطن ممارسة يومية لا مجرد شعار.
إن الأردن، بما يحمله من تاريخ عريق، وما يقدمه أبناؤه من عطاء وتضحيات، وما تبذله قيادته ومؤسساته من جهود، يستحق منا جميعًا أن نواصل العمل من أجل تقدمه وازدهاره، وتعزيز منجزاته، وتوسيع فرص أبنائه، وصون كرامة مواطنيه، وترسيخ مكانته العربية والدولية. فخدمة الوطن مسؤولية نتشارك فيها جميعًا، كلٌّ من موقعه، بالعمل المخلص، والأداء المسؤول، والنقد البنّاء، والحرص على المصلحة العامة؛ ليظل الأردن، بقيادته الهاشمية وشعبه الوفي ومؤسساته العريقة، نموذجًا في الاعتدال والاستقرار والعطاء، وقادرًا على مواصلة مسيرته نحو مستقبل أكثر أمنًا وازدهارًا.