لندن: محمد الطّورة
ليست كل صورة تحتاج إلى كثير من الكلام؛ فبعض الصور تقول ما تعجز عنه الخطب، وبعض اللحظات التي لا تستغرق سوى ثوانٍ تبقى في الذاكرة طويلاً، لأنها تحمل من المعاني ما هو أكبر من زمنها.
في هذه الصورة، يلتقي جلالة الملك عبدالله الثاني بالأستاذ الدكتور هارون الطورة، خلال زيارة قبل إعوام وفد من رجالات الشوبك إلى بيت الأردنيين للقاء جلالته. لقاء جمع أبناء الشوبك بقيادتهم، وحمل في تفاصيله شيئاً من صورة الأردن التي نعرفها ونعتز بها: ملك قريب من شعبه، ومواطنون يحملون لوطنهم وقيادتهم مشاعر الانتماء والوفاء.
ومن بين لحظات ذلك اللقاء جاءت هذه المصافحة؛ مصافحة يد ملك قريب من شعبه، بيد مواطن أردني من أبناء الشوبك، أفنى جانباً كبيراً من عمره في خدمة وطنه من بوابة العلم والمعرفة.
وهنا لا تعود الصورة مجرد لقطة عابرة.
فالأستاذ الدكتور هارون الطورة لم يكن طوال مسيرته مجرد صاحب درجات علمية رفيعة، وإنما جعل من العلم رسالة، ومن المعرفة وسيلة لخدمة الأردن وأبنائه. وعلى امتداد نحو أربعة عقود، واصل مسيرته في ميادين التربية والتعليم من مدرسة الراجف إلى المنصورة مدرساً وختاماً إلى جامعة البلقاء التطبيقية أستاذ محاضر ، موظفاً ما حصّله من علم وخبرة في إعداد أجيال مسلحة بالعلم والمعرفة، سواء في المدارس أو الجامعات الأردنية كما ذكرت.
فالأوطان لا تُبنى بالشعارات وحدها، وإنما بالإنسان الذي يتعلم ويعمل ويعطي، ويترك أثراً في حياة الآخرين.
ولم تتوقف مسيرة العلم عنده وحده، بل امتدت إلى أسرته أيضاً، فأصبح التفوق الأكاديمي والعطاء الوطني سمة بارزة فيها؛ إذ خرج من بين أشقائه وشقيقاته وأبنائه حملة شهادات الدكتوراه والهندسة، وأكاديميون ومتخصصون أسهموا، كلٌّ من موقعه، في خدمة الأردن في القطاعين المدني والعسكري.
وهكذا لم يكن العلم في هذه الأسرة مجرد إنجاز شخصي أو شهادة أكاديمية، بل قيمة انتقلت من جيل إلى جيل، وتحولت المعرفة فيها إلى مسؤولية وعطاء وخدمة للوطن.
ولم يكن اهتمام الأستاذ الدكتور هارون الطورة بأسرته الصغيرة ليصرفه عن محيطه الأوسع؛ فقد ظل أبناء عشيرته وأبناء الشوبك حاضرين في اهتمامه، ولا سيما في ميدان التعليم، حيث وجدوا منه على امتداد سنوات مسيرته الأكاديمية والتربوية دعماً ومشورة وحرصاً على الأخذ بأيديهم نحو العلم والتخصص. وكان يرى أن نجاح الأبناء لا يكتمل إذا بقي محصوراً داخل حدود الأسرة، وأن ما يكتسبه الإنسان من علم وخبرة يصبح أكثر قيمة حين يضعه في خدمة أهله ومجتمعه ووطنه.
وليس هذا النموذج غريباً عن الشوبك وأبنائها؛ فهذه المنطقة التي حملت عبر تاريخها حضوراً وطنياً واجتماعياً لافتاً، أنجبت أجيالاً من أبنائها وبناتها الذين جعلوا من العلم والعمل طريقاً للارتقاء وخدمة الوطن.
فمنهم أصحاب الدرجات العلمية الرفيعة، والأكاديميون والمتخصصون الذين أسهموا في مؤسسات الدولة وميادينها المختلفة، مدنية وعسكرية، ومنهم من كان له السبق بحمل رسالة الكلمة والإعلام، وأسهم في مرحلة مهمة من تاريخ الصحافة الأردنية في ترسيخ تجربة الصحافة الأسبوعية “كصحيفة البلاد” خلال تسعينيات القرن الماضي، في زمن كانت فيه الصحافة تعيش تحولات مهمة وتفتح نوافذ جديدة أمام الرأي والكلمة.
وهكذا تبدو الشوبك، في هذه الصورة، أكثر من مكان؛ إنها مجتمع أنجب أبناءً حملوا العلم والعمل والكلمة إلى مواقع مختلفة، وجعلوا من نجاحهم الفردي جزءاً من خدمة وطنهم.
ومن هنا، يصبح للأستاذ الدكتور هارون الطورة مكانه الطبيعي في هذه الصورة؛ فهو أحد أبناء الشوبك الذين حملوا العلم، ثم حملوا مسؤولية توظيفه في خدمة الإنسان الأردني.
وقد يقول قائل إن شهادتي في الأستاذ الدكتور هارون الطورة قد يشوبها شيء من الخصوصية، بحكم صلة القربى التي تجمعني به، وهذا أمر أقرّه ولا أنكره؛ فالقريب يرى من الإنسان ما قد لا يراه الآخرون، وتحضر في شهادته مشاعر المودة والاعتزاز.
لكن الإنصاف يقتضي أن تُترك السيرة العامة لصاحبها، وأن يتحدث عنها أثرها في الناس قبل أن تتحدث عنها صلة الرحم.
فالأثر الحقيقي لا يحتاج إلى شهادة قريب أو مديح محب؛ يكفي أن نسأل من عرفه في ميادين التعليم، ومن تتلمذ على يديه، ومن قصده طالباً للمشورة، ومن وجد في علمه وخبرته عوناً في طريقه، ومن عايش حضوره في الشأن العام داخل الشوبك وخارجها.
عندها تتحدث الذاكرة الجمعية بما هو أصدق من أي شهادة فردية، ويظهر الأثر الذي لا تصنعه المجاملة ولا تفرضه صلة القرابة.
فالسنوات كفيلة بأن تتحدث، والأجيال التي عبرت من بين أيدي أصحاب الرسالة هي أصدق الشهود.
ولعل الذي يلفت النظر في الصورة، بعد كل ذلك، ليس المشهد الرسمي بقدر ما يلفت النظر ذلك القرب الإنساني.
ملك يصافح مواطناً، ويلتقي أبناء شعبه، ويستمع إليهم بعيداً عن الحواجز التي قد تصنعها المناصب والمواقع في بعض الدول.
ففي عالم أصبحت فيه المناصب أحياناً تصنع مسافات بين الإنسان والإنسان، تبدو مثل هذه اللحظات ذات قيمة خاصة. فالملك، مهما كثرت مسؤولياته وتشعبت الملفات التي يحملها، يجد الوقت للقاء أبناء شعبه والاستماع إليهم، ويمنح المواطن شعوراً بأنه ليس بعيداً عن قيادته، وأن صوته، مهما كان، له مكانه واحترامه.
وهذه التفاصيل الصغيرة تصنع في وجدان المواطن معنى كبيراً: أنني لست رقماً في وطن، وأن بيني وبين قيادتي مساحة من القرب الإنساني لا تلغيها المناصب.
ولأن هذه المصافحة جاءت في سياق زيارة وفد من رجالات الشوبك، فإن للمشهد بعداً آخر.
فعندما يأتي رجالات الشوبك إلى بيت الأردنيين للقاء جلالة الملك، فإنهم لا يحملون معهم أسماءهم وصفاتهم فقط، وإنما يحملون أهلهم وبلدتهم وذاكرتهم، ويحملون أيضاً مشاعر مجتمع يريد أن يلتقي قيادته وجهاً لوجه.
وفي المقابل، حين يستقبلهم الملك ويصافحهم ويستمع إليهم، فإن قيمة اللقاء لا تكمن فقط في الكلمات، وإنما في ذلك الشعور الذي يخرج به المواطن من اللقاء: أن القيادة قريبة، وأن أبوابها مفتوحة، وأن المواطن ليس بعيداً عن وطنه ولا عن قيادته.
وهنا تكمن خصوصية العلاقة بين الهاشميين والأردنيين؛ فهي لا يمكن اختزالها في مناسبة رسمية أو مشهد بروتوكولي.
لقد تشكلت عبر عقود طويلة من التاريخ المشترك، وتداخلت فيها الدولة بالمجتمع، والقيادة بالشعب، والمناسبات الوطنية بالمناسبات الاجتماعية، حتى أصبحت، في وجدان كثير من الأردنيين، علاقة تقوم على القرب والمودة والوفاء والانتماء.
فالبروتوكول ينظم اللقاءات، لكنه لا يصنع المحبة التي تُبنى في التفاصيل؛ في زيارة ملك إلى قرية، وفي لقاء أبناء منطقة، وفي الوقوف إلى جانب أهل مصاب، وفي مشاركة الأردنيين أفراحهم وأتراحهم، وفي الاستماع إلى مواطن يحمل قضية أو فكرة أو أملاً.
ومن هنا، فإن صورة الملك وهو يصافح الأستاذ الدكتور هارون الطّورة لا ينبغي أن تُقرأ بمعزل عن هذا السياق الأوسع. إنها صورة لمواطن أردني يقف أمام مليكه، لكنها في الوقت نفسه صورة لعلاقة أوسع بين قيادة وشعب؛ علاقة كان القرب الإنساني أحد أجمل ملامحها.
وربما من أجمل ما في الصورة أن المصافحة تجمع في لحظة واحدة بين معنيين من معاني خدمة الوطن.
جلالة الملك يحمل مسؤولية قيادة الدولة وخدمة أبنائها، والأستاذ الدكتور هارون الطورة حمل طوال عقود مسؤولية أخرى مهمة في بناء الوطن: مسؤولية بناء الإنسان بالعلم والمعرفة.
فالأوطان لا تُبنى بالسياسة والاقتصاد والمؤسسات وحدها؛ وإنما تُبنى قبل ذلك وبعده بالإنسان.
وكل معلم وأستاذ وباحث وأكاديمي أمضى عمره في تعليم أبناء الأردن وتطوير معارفهم، إنما يضع لبنة في بناء الوطن، حتى وإن لم تكن هذه اللبنة مرئية بالعين. وقد تكون أجمل ثمار العلم تلك التي لا تحمل اسم صاحبها، وإنما تظهر بعد سنوات في طبيب أو مهندس أو معلم أو باحث أو مواطن صالح.
وهكذا، فإن أربعة عقود من العمل في ميدان التعليم ليست مجرد سنوات مضت، بل أجيال مرت، وعقول تشكلت، ورسالة وطنية امتدت من جيل إلى جيل.
في لصورة هذا اللقاء يدان تتصافحان، لكن المعنى يتجاوز اليدين.
يد ملك تحمل مسؤولية العرش والوطن، ويد مواطن تحمل آثار سنوات طويلة من العمل والعلم والعطاء.
وعندما تلتقي اليدان، تتراجع للحظة كثير من المسافات التي تصنعها المناصب.
فالملك الذي يقترب من شعبه لا يخسر هيبته؛ بل يضيف إلى الهيبة معنى آخر: هيبة التواضع والقرب والإنصات.
وفي المقابل، فإن المواطن الذي يخدم وطنه بالعلم والعمل والعطاء لا يحتاج دائماً إلى الأضواء كي تكون خدمته عظيمة؛ يكفي أن يترك أثراً في إنسان، أو معرفة في عقل، أو قيمة في جيل.
وهنا تلتقي المسيرتان: الملك يقود الوطن، والمواطن يخدم الوطن، وبينهما الأردن.
قد تمر المصافحة في ثوانٍ، لكنها قد تبقى في قلب صاحبها سنوات طويلة. وقد ينسى الإنسان كثيراً من الكلمات التي قيلت في المناسبات، لكنه لا ينسى بسهولة لحظة صافح فيها مليكه، ولا ينسى شعوره وهو يقف أمام قيادة بلاده وجهاً لوجه.
ولهذا فإن قيمة الصورة ليست في المصافحة وحدها، وإنما في ما تقوله المصافحة.
تقول إن القرب من الناس ليس ضعفاً في هيبة القيادة، وإن احترام المواطن لا يحتاج إلى حواجز، وإن خدمة الوطن لها أبواب كثيرة؛ قد تكون في موقع القيادة، وقد تكون في المدرسة والجامعة، وقد تكون في الجيش والأمن، وقد تكون في الإعلام والصحافة، وقد تكون في أي موقع يضع الإنسان فيه علمه وعمله في خدمة بلده.
وفي النهاية، ليست هذه صورة ملك يصافح مواطناً فحسب.
إنها صورة ملك قريب من شعبه، ومواطن من أبناء الشوبك كرّس عقوداً من عمره لخدمة وطنه وتعليم أبنائه، وأسرة جعلت من العلم والعطاء نهجاً، ومجتمع أنجب أجيالاً جعلت من المعرفة والعمل طريقاً لخدمة الأردن.
هذه مصافحة بين “سيدنا” ومواطن بلا حواجز، بين يدٍ تحمل مسؤولية العرش، ويدٍ تحمل رسالة العلم، وبينهما الأردن.