لندن: محمد الطّورة
الإمارات.. تجربة دولة اختصرت عقوداً من التاريخ وصنعت المستقبل
حين نتأمل خريطة العالم وننظر إلى الدول التي تمتد جذورها إلى مئات السنين، بما تملكه من تاريخ طويل وتجارب متراكمة ومؤسسات عريقة، ثم ننظر في المقابل إلى تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة، فإننا نجد أنفسنا أمام تجربة تستحق التأمل؛ فالإمارات دولة حديثة نسبياً في عمر الدول، تأسس اتحادها في الثاني من ديسمبر عام 1971، لكنها خلال عقود قليلة استطاعت أن تحقق من التحول والتقدم ما احتاجت إليه دول أخرى إلى أجيال طويلة، وأن تنتقل من مرحلة التأسيس والبناء إلى مصاف الدول التي تمتلك اقتصاداً متنوعاً وبنية تحتية متقدمة ومؤسسات حديثة وحضوراً عالمياً في مجالات متعددة. ولم يكن هذا التحول وليد الصدفة، ولا نتيجة وفرة الموارد وحدها، وإنما كان ثمرة رؤية واضحة آمنت بها القيادة الإماراتية منذ قيام الاتحاد، رؤية أدركت أن بناء الدولة لا يكون فقط بتشييد المباني والطرق والمطارات، وإنما ببناء الإنسان قبل كل شيء، والاستثمار في قدراته، وتوفير البيئة التي تمكنه من أن يعيش حياة كريمة وآمنة ومستقرة، وأن يكون شريكاً حقيقياً في صناعة مستقبل بلاده. لقد أدرك مؤسسو الاتحاد وقادته أن الدول لا تُقاس فقط بما تملكه من ثروات، وإنما بما تستطيع أن تحوله من تلك الثروات إلى فرص وخدمات ومؤسسات ومستقبل للأجيال القادمة، ولذلك جاءت مسيرة التنمية الإماراتية متدرجة ولكنها سريعة، ومتنوعة ولكنها مرتبطة برؤية واحدة، هي أن تكون الإمارات دولة قادرة على المنافسة عالمياً، وأن توفر لشعبها أفضل ما يمكن أن تقدمه الدولة الحديثة من أمن واستقرار وتعليم وصحة وخدمات وفرص وجودة حياة. ولعل أهم ما يلفت النظر في التجربة الإماراتية أن المواطن ظل في قلب المشروع الوطني، فلم يكن الهدف أن تصبح الإمارات دولة غنية فحسب، وإنما أن يشعر المواطن بأن ثمار التنمية تنعكس بصورة مباشرة على حياته وحياة أسرته ومستقبل أبنائه، ولذلك اهتمت الدولة بالتعليم والصحة والإسكان والرعاية الاجتماعية وتمكين الشباب ودعم الأسرة ورعاية كبار المواطنين وأصحاب الهمم وتوفير الخدمات الحكومية المتطورة، حتى أصبحت جودة الحياة جزءاً أساسياً من مفهوم التنمية نفسه. فالتنمية الحقيقية ليست مجرد أرقام في الناتج المحلي أو ارتفاعاً في حجم الاستثمارات، وإنما هي أن يجد الإنسان مدرسة جيدة لأبنائه، ومستشفى متطوراً، وخدمات حكومية سهلة، وطرقاً آمنة، وبيئة مستقرة، وفرصاً للعمل والتطور، وشعوراً بالأمان على الحاضر والمستقبل. وهذا ما جعل التجربة الإماراتية مختلفة في فلسفتها، لأنها لم تنظر إلى المواطن باعتباره رقماً في تعداد السكان، وإنما باعتباره محوراً من محاور الدولة وهدفاً من أهداف التنمية. وفي الوقت نفسه، لم تكن عناية الإمارات بمواطنيها تعني الانغلاق على الذات، فقد تحولت الدولة إلى مجتمع عالمي يعيش فيه ملايين الأشخاص من مختلف الجنسيات والثقافات والأديان، وأصبحت الإمارات بيئة تستقطب أصحاب الخبرات ورجال الأعمال والمستثمرين والعلماء والمهنيين من أنحاء العالم، وهو أمر لم يكن ليحدث لولا وجود مستوى مرتفع من الأمن والاستقرار والبنية التحتية والخدمات والقدرة على ممارسة الأعمال والحياة في بيئة منظمة. ومن هنا أصبحت الإمارات نموذجاً لمجتمع يجمع بين المحافظة على الهوية الوطنية والانفتاح على العالم، وبين الاعتزاز بالخصوصية الثقافية والقدرة على استيعاب التنوع الإنساني الكبير الذي أصبحت الدولة جزءاً منه. ومن أهم الأسس التي تقوم عليها الدولة الحديثة أيضاً مبدأ سيادة القانون، وهو مبدأ أكده الدستور الإماراتي من خلال تقرير المساواة أمام القانون، بحيث يكون القانون هو الإطار الذي ينظم علاقة الإنسان بالدولة والمجتمع، وتكون الحقوق والواجبات مرتبطة بالنظام القانوني وليس بالمحسوبية أو الانتماء أو المكانة الاجتماعية. وهذه النقطة تكتسب أهمية خاصة في مجتمع متعدد الجنسيات والثقافات مثل المجتمع الإماراتي، حيث يعيش المواطن إلى جانب المقيم من مختلف أنحاء العالم، ويعمل الجميع داخل منظومة قانونية واحدة تحدد الحقوق والواجبات والمسؤوليات. والمقصود من سيادة القانون ليس فقط وجود النصوص، وإنما أن يكون القانون هو المرجع الذي يحتكم إليه الجميع، وأن تكون العلاقة بين الفرد والدولة قائمة على قواعد واضحة ومؤسسات منظمة. ومن هنا يمكن فهم حرص الإمارات على تطوير منظومتها التشريعية والقضائية والتنظيمية بما يتناسب مع طبيعة المجتمع الحديث ومتطلبات الاقتصاد العالمي والتطور التكنولوجي. وفي هذا السياق يأتي الإعلام أيضاً باعتباره أحد المجالات التي تحتاج إلى التوازن بين الحرية والمسؤولية؛ فالإعلام في عصر التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي لم يعد مجرد نقل للأخبار، وإنما أصبح قادراً على التأثير في المجتمع وصناعة الرأي العام ونشر المعلومات خلال ثوانٍ، ولذلك أصبحت المسؤولية الإعلامية ضرورة لا تقل أهمية عن حرية التعبير. وقد وضعت الإمارات إطاراً قانونياً ينظم العمل الإعلامي التقليدي والرقمي، ويؤكد أهمية المهنية واحترام الخصوصية وعدم نشر الأخبار الكاذبة والمضللة والتحريض على الكراهية والعنف، وهو توجه يقوم على فكرة أن الحرية الإعلامية ينبغي أن ترافقها مسؤولية تجاه المجتمع وحقوق الآخرين وأمن الدولة واستقرارها. وهذا التوازن بين الحرية والمسؤولية ليس قضية إماراتية وحدها، وإنما هو تحدٍ تواجهه معظم دول العالم في عصر الإعلام الرقمي، حيث أصبحت الحدود بين حرية التعبير والمسؤولية عن المحتوى موضع نقاش مستمر في مختلف المجتمعات. وإذا كانت الإمارات قد بدأت رحلتها في عام 1971، فإنها اليوم تقف على أبواب المستقبل وهي تمتلك طموحات تتجاوز ما تحقق بالفعل؛ فلم تعد طموحاتها محصورة في النفط أو التجارة أو العقارات أو البنية التحتية، وإنما امتدت إلى الذكاء الاصطناعي والفضاء والطاقة المتجددة والاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا المتقدمة والعلوم والابتكار، وهو ما يعكس فهماً واضحاً بأن الدولة التي تريد أن تحافظ على موقعها في المستقبل لا يمكنها أن تعتمد فقط على نجاحاتها الحالية، وإنما يجب أن تستثمر باستمرار فيما سيحتاج إليه العالم في السنوات والعقود القادمة. ومن هنا جاءت الاستراتيجيات الوطنية بعيدة المدى التي تستهدف بناء اقتصاد معرفي أكثر تنوعاً، وتعزيز مكانة الدولة في مجالات التكنولوجيا والابتكار والعلوم، وتحويل الإمارات إلى مركز عالمي للأعمال والاستثمار والسياحة والطيران والخدمات والتقنيات الحديثة. ولعل الصورة الأكثر تعبيراً عن المسافة التي قطعتها الإمارات هي أن دولة بدأت اتحادها قبل بضعة عقود أصبحت اليوم حاضرة في قطاعات كانت حتى وقت قريب حكراً على الدول الصناعية الكبرى، فأصبحت تمتلك واحداً من أكثر قطاعات الطيران نشاطاً، ومراكز مالية وتجارية عالمية، ومدناً حديثة، وموانئ ومطارات ذات أهمية دولية، وبرامج متقدمة في الفضاء، ومبادرات واسعة في الذكاء الاصطناعي والابتكار والطاقة النظيفة. وليس الهدف من هذه المقارنة التقليل من شأن الدول ذات التاريخ الطويل، فلكل دولة ظروفها وتجربتها وتاريخها وتحدياتها، وإنما الهدف هو إبراز حقيقة واضحة: أن عمر الدولة ليس بالضرورة مقياساً لحجم إنجازها، وأن الدولة التي تمتلك رؤية واضحة وإرادة سياسية وتخطيطاً طويل المدى تستطيع أن تختصر الكثير من المسافات. فهناك دول تمتلك تاريخاً يمتد لقرون، وهناك دولة حديثة استطاعت خلال عقود قليلة أن تبني لنفسها حضوراً عالمياً مؤثراً، والدرس هنا ليس في منافسة التاريخ، وإنما في كيفية صناعة المستقبل. إن التجربة الإماراتية في جوهرها ليست مجرد قصة أبراج شاهقة أو طرق حديثة أو مشروعات ضخمة، وإنما هي قصة رؤية آمنت بأن الإنسان هو الثروة الحقيقية، وأن الاستثمار في المواطن هو الاستثمار الأكثر استدامة، وأن توفير الأمن والاستقرار والتعليم والصحة والخدمات وجودة الحياة هو الأساس الذي يمكن أن تُبنى عليه دولة قوية ومزدهرة. ولذلك فإن الحديث عن الإمارات لا ينبغي أن يقتصر على حجم اقتصادها أو عدد مشروعاتها أو سرعة نمو مدنها، بل ينبغي أن يمتد إلى الفلسفة التي وقفت وراء هذا التحول، وهي فلسفة تقوم على أن المستقبل لا يأتي من تلقاء نفسه، وإنما تصنعه الدول التي تملك رؤية واضحة وتعمل من أجلها باستمرار. وربما يكون هذا هو الدرس الأهم في التجربة الإماراتية: أن الدولة لا تُقاس فقط بعمرها، وإنما بما تفعله خلال هذا العمر، وأن قصر عمر التجربة لا يعني بالضرورة قصر الإنجاز، وأن الشعوب عندما تتوفر لها قيادة تمتلك رؤية بعيدة المدى ومؤسسات قادرة على تنفيذها، يمكن أن تنتقل خلال فترة زمنية قصيرة من مرحلة إلى أخرى بصورة قد تبدو لمن يراقبها من الخارج وكأنها رحلة عبر الزمن. ولهذا أصبحت الإمارات تجربة تستحق الدراسة، ليس لأنها تدعي أنها وصلت إلى نهاية الطريق، وإنما لأنها اختارت أن تجعل التطوير رحلة مستمرة، وأن تجعل طموحها دائماً أكبر من إنجازها السابق، وأن تنظر إلى المستقبل باعتباره مساحة جديدة للإنجاز لا مجرد امتداد للحاضر. إنها قصة دولة بدأت من نقطة متواضعة، لكنها لم تسمح لبدايتها أن تحدد نهايتها، وقادة آمنوا بأن الإنسان هو محور الدولة، ومواطنين أصبحوا جزءاً من مشروع وطني واسع، ومجتمعاً جمع بين الأصالة والانفتاح، وقوانين تنظم العلاقة بين الجميع، وطموحاً لا يتوقف عند حدود ما تحقق، بل يسأل دائماً: ماذا يمكن أن نحقق بعد ذلك؟ وربما لهذا السبب تحديداً أصبحت تجربة الإمارات خلال عقود قليلة واحدة من التجارب التي تستحق أن تُقرأ ليس فقط باعتبارها قصة نجاح لدولة حديثة، وإنما باعتبارها نموذجاً لكيف يمكن للرؤية والتخطيط والاستثمار في الإنسان أن تحول دولة حديثة النشأة إلى دولة ذات حضور وتأثير على الساحة الدولية.