لندن : كتب المحرر الأقتصادي
في الثالث من أيلول 2020، نشرت صحيفة «الرأي» الأردنية عنواناً رئيسياً جاء فيه: «الملك: بالإصلاح الإداري نحارب الفقر والبطالة»، مؤكدةً في عناوين أخرى ضرورة اتخاذ القرارات الجريئة، وإزالة العقبات أمام المستثمرين، والابتعاد عن البيروقراطية.
وبعد مرور سنوات، يبقى السؤال: هل تحولت هذه التوجيهات إلى واقع ملموس، وخصوصاً لدى الجهات المسؤولة عن الاستثمار؟
كثرة الشكاوى تطرح السؤال
إن استمرار شكاوى المواطنين والمستثمرين من تأخر المعاملات، وتعدد الموافقات، وتعقيد الإجراءات، يثير تساؤلات مشروعة حول مدى تنفيذ الإصلاح الإداري.
فحين تكون التوجيهات واضحة بشأن إزالة العقبات وتسهيل الاستثمار، فمن الطبيعي أن ينتظر المواطن والمستثمر نتائج يلمسانها في حياتهما اليومية، لا أن تبقى المشكلات نفسها موضع شكوى متكررة.
وبالتأكيد، فإن كثرة الشكاوى وحدها لا تثبت فشل الإصلاح أو أن الرسائل لم تصل إلى المسؤولين، لكنها قد تكون مؤشراً على وجود فجوة بين التوجيهات والتنفيذ، تستدعي التحقق والمراجعة والمساءلة.
فثمة فرق بين أن تصل الرسالة إلى المسؤول، وأن تتحول إلى قرار، وأن يُنفَّذ القرار بكفاءة، وأن تظهر نتائجه على أرض الواقع.
الاستثمار هو الاختبار الحقيقي
المستثمر لا يحتاج إلى الحوافز والإعفاءات وحدها، بل إلى إجراءات واضحة، وتراخيص سريعة، وتشريعات مستقرة، وجهة مسؤولة تحسم العقبات دون أن يبقى يتنقل بين المؤسسات.
ولا يكفي الإعلان عن استقطاب الاستثمارات أو إصدار أنظمة جديدة؛ فالمعيار الحقيقي هو عدد المشاريع التي بدأت العمل فعلياً، وفرص العمل التي تحققت، والوقت الذي اختصرته المؤسسات في إنجاز المعاملات.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى نشر بيانات واضحة عن مدد الترخيص، وعدد الشكاوى، ونسبة ما عولج منها، وأسباب تأخر المشاريع، والإجراءات المتخذة لمحاسبة المقصرين ومعالجة الخلل.
أين تكمن المشكلة؟
إذا استمرت العقبات رغم التوجيهات والخطط الإصلاحية، فمن الضروري معرفة أسبابها: هل تكمن في التشريعات، أم تعدد الصلاحيات، أم ضعف التنسيق بين المؤسسات، أم غياب المتابعة والمساءلة؟
إن تحديد المسؤولية لا يعني اتهام جميع المسؤولين بالتقصير، بل يقتضي معرفة مواضع الخلل ومحاسبة المسؤول عن أي تأخير غير مبرر، وضمان عدم تكرار المشكلة.
فالإصلاح الإداري لا يتحقق بمجرد تحويل المعاملات إلى أنظمة إلكترونية أو إصدار التعليمات، بل بتبسيط الإجراءات، وتوضيح المسؤوليات، وربط الأداء بالنتائج.
هل وصلت الرسالة؟
إن القول إن رسائل الملك لم تصل إلى المسؤولين يحتاج إلى أدلة، لكن استمرار الشكاوى المتكررة قد يشير إلى أن بعض التوجيهات لم تتحول بعد إلى نتائج ملموسة.
والسؤال الأهم ليس ما إذا كانت الرسالة قد وصلت إلى مكاتب المسؤولين، بل ما إذا كانت قد وصلت إلى طريقة عملهم وقراراتهم وممارساتهم اليومية.
فالمواطن يريد خدمة سريعة، والمستثمر يريد بيئة واضحة ومستقرة، وكلاهما ينتظر أن يرى أثر الإصلاح بعيداً عن التصريحات والوعود.
لذلك، فإن المطلوب اليوم إجابات واضحة: كم اختُصر من وقت المعاملات؟ وكم مشروعاً بدأ الإنتاج؟ وما العقبات التي لا تزال قائمة؟ ومن المسؤول عن معالجتها؟
فنجاح الإصلاح لا يُقاس بما يُقال في الاجتماعات، بل بما يلمسه المواطن، ويجده المستثمر، وتؤكده الأرقام. فهل حان الوقت للانتقال من مرحلة التوجيهات إلى مرحلة النتائج والمساءلة؟